ورواه الثعلبي، حدثنا أبو عباس الخلدي، أنبأنا أبو نعيم عبد الملك بن محمَّد، أنبأنا أحمد بن عيسى التنيسي، حدثنا عمرو بن أبي سلمة، حدثنا صدقة بن عبد الله، عن زهير بن محمَّد بن عقيل به.
فهذه الأحاديث في معنى قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ فمن اتصف من هذه [١] الأمّة بهذه الصفات، دخل معهم في هذا [الثناء عليهم المدح لهم][٢]، كما قال قتادة: بلغنا أنَّ عمر بن الخطاب ﵁ في حجة حجها رأى من الناس سرعة، فقرأ هذه الآية: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، ثم [٣] قال: من سره أن يكون من تلك [٤] الأمّة؛ فليؤدّ شرط الله فيها، رواه ابن جرير (٢٩٢).
ومن لم يتصف بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمّهم الله تعالى بقوله: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾، ولهذا لما مدح تعالى هذه الأمّة على هذه الصفات شرع في ذم أهل الكتاب وتأنيبهم، فقال تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، أي: بما أنزل على محمَّد ﴿لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: قليل منهم من يؤمن بالله، وما أنزل إليكم، وما أنزل إليهم، وأكثرهم على الضلالة، والكفر، والفسق، والعصيان.
ثم قال تعالى مخبرًا عباده المؤمنين، ومبشرًا لهم: أن النصر والظفر لهم على أهل الكتاب الكفرة الملحدين؛ فقال تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إلا أَذًى وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١١١)﴾ [آل عمران: ١١١] وهكذا وقع؛ فإنهم يوم خيبر أذلهم الله، وأرغم آنافهم [٥]، وكذلك من قبلهم من يهود المدينة، بني قينقاع، وبني [٦] النضير، وبني [٧] قريظة، كلهم أذلهم الله، وكذلك النصارى بالشام، كسرهم الصحابة في غير [ما موطن][٨]، وسلبوهم ملك الشام أبد الآبدين ودهر الداهرين، ولا تزال عصابة الإِسلام قائمة بالشام، حتى ينزل عيسى بن مريم وهم [٩] كذلك، ويحكم [﵇][١٠]، وبشرع [١١] محمَّد عليه أفضل الصلاة
(٢٩٢) - أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (٧/ ١٠٢) رقم (٧٦١٢) وذكره السيوطي في "الدر" (٢/ ١١٣) وعزاه إلى ابن جرير.