وقال الربيع بن أنس: أمد الله المسلمين بألف ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف.
فإن قيل: فما الجمع بين هذه الآية على هذا القول، وبين قوله في قصة بدر: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾؟ فالجواب: أن التنصيص على الألف هاهنا لا ينافي الثلاثة الآلاف فما فوقها؟ لقوله: ﴿مُرْدِفِينَ﴾ بمعنى يردفهم غيرهم، ويتبعهم ألوف أخر مثلهم. وهذا السياق شبيه بهذا السياق في سورة آل عمران، فالظاهر أن ذلك كان يوم بدر، كما هو المعروف من أن [٢] قتال الملائكة إنما كان يوم بدر والله أعلم. وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة: أمد الله المسلمين [٣] يوم بدر بخمسة آلاف.
(القول الثاني): أن هذا الوعد متعلق بقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ وذلك يوم أحد، وهو قول مجاهد وعكرمة والضحاك والزهري وموسى بن عقبة وغيرهم. لكن قالوا: لم يحصل الإمداد بالخمسة الآلاف، لأن المسلمين فروا يومئذ، زاد عكرمة: ولا بالثلاثة الآلاف، لقوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ فلم يصبروا، بل فروا، فلم يمدوا بملك واحد.
وقول تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ يعني تصبروا على مصابرة عدوكم، وتتقوني وتطيعوا أمري.
وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾، قال الحسن وقتادة والربيع والسدّي: أي من وجههم هذا.
وقال مجاهد وعكرمة وأبو صالح: أي من غضبهم هذا. وقال الضحاك: من غضبهم ووجههم. وقال العوفي عن ابن عباس: من سفرهم هذا، ويقال من غضبهم هذا.
(٣٠٩) - إسناده صحيح، أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره": (٢/ ٥٢٠) رقم (١٣٥٠). وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/ ١٧٤) رقم (٧٧٤٦) من طريق يعقوب، عن ابن علية، عن داود بإسناده نحوه. وعزاه السيوطي أيضًا في "الدر" (٢/ ١٢٣) إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر.