للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

يقول الله تعالى ناهيًا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، كما كانوا [في الجاهلية يقولون] إذا حل أجل الدين: إما أن تقضي [١]، وإما أن تربي [٢]. فإن قضاه؛ وإلا زاده في المدة، زاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام، فربما تضاعف القليل حتى يصير كثيرًا مضاعفًا، وأمر تعالى عباده بالتقوى، لعلهم يفلحون في الأولى و [في] [٣] الآخرة؛ ثمَّ توعدهم بالنار، وحذرهم منها، فقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾. ثمَّ ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات؛ فقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. أي كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن معنى قوله: ﴿عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾؛ تنبيه [٤] على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش [٥] الجنة: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ أي: فما ظنك بالظهائر، وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبَّب والمستدير عرضه كطوله، وقد دلّ على ذلك ما ثبت في الصحيح: "إذا سألتم الله الجنة، فاسألوه الفردوس، فإنَّه أعلى الجنة، وأوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن" (٣٢٧).

وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.

وقد روينا في مسند الإِمام أحمد (٣٢٨): أن هرقل كتب إلى النبي ؛ إنك دعوتني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال النبي : " [سبحان الله] [٦]؛ فأين الليل إذا جاء النهار".


(٣٢٧) - أخرجه البخاري في "صحيحه"، كتاب الجهاد، باب: درجات المجاهدين، حديث (٢٧٩٠)، وكتاب التوحيد، حديث (٧٤٢٣).
(٣٢٨) - أخرجه أحمد في "مسنده" (٣/ ٤٤١، ٤٤٢) من طريق إسحاق بن عيسى، قال" حدثني يس بن سليم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن أبي راشد قال: لقيت التنوخي رسول هرقل إلى رسول الله . . . فذكره مطولًا. وأخرجه البيهقي في "دلائل النبوة" مختصرا (١/ ٢٦٦)، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/ ٢٣٧: ٢٣٩) وقال: رواه عبد الله بن أحمد وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى ثقات، وكذلك رجال عبد الله بن أحمد.
والحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائده على المسند" (٤/ ٧٤، ٧٥)، وذكره ابن كثير في =