وقد روي هذا مرفوعًا. فقال البزار: حدثنا محمَّد بن معمر، حدثنا المغيرة بن سلمة -أبو هشام [١]- حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عبيد الله بن عبد الله بن الأصم، عن عمه -يزيد بن الأصم- عن أبي هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فأين النار؟ قال:"أرأيت الليل إذا جاء لبس كل شيء فأين النهار"؟ قال: حيث شاء الله. قال:"وكذلك [النار تكون][٢] حيث شاء الله ﷿"(٣٣٢).
وهذا يحتمل معنيين:(أحدهما): أن يكون المعنى في ذلك أنَّه لا يلزم من عدم مشاهدتنا الليل إذا جاء النهار، أن لا يكون في مكان؛ وإن كنا لا نعلمه: وكذلك [تكون النار][٣] حيث شاء الله ﷿، وهذا أظهر، كما تقدم في حديث أبي هريرة، عن البزار.
(الثاني): أن يكون المعنى أن النهار إذا تغشى وجه العالم من هذا الجانب، فإن الليل يكون من الجانب الآخر، فكذلك الجنة في أعلى عليين فوق السموات تحت العرش، وعرضها كما قال الله ﷿: ﴿كَعَرْضِ السَّمَاءِ [٤] وَالْأَرْضِ﴾ والنار في أسفل سافلين، فلا تنافي بين كونها كعرض السموات والأرض، وبين وجود النار، والله أعلم.
ثمَّ ذكر تعالى وصف [٥] أهل الجنة فقال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: في الشدة والرخاء، والمنشط والمكره، والصحة والمرض، وفي جميع الأحوال [٦]. كما قال: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ والمعنى أنهم لا يشغلهم أمر عن طاعة الله تعالى، والإِنفاق في مراضيه، والإِحسان إلى خلقه من قراباتهم وغيرهم بأنواع البر.
وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ أي: إذا ثار بهم الغيظ
(٣٣٢) - إسناده صحيح، أخرجه البزار كما في كشف الأستار (٢١٩٦). وأخرجه ابن حبَّان في "صحيحه" (١/ ٣٠٦، ٣٠٧ - الإحسان) رقم (١٠٣)، والحاكم في "المستدرك" (١/ ٣٦) من طريق عبد الواحد بن زياد به. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولا أعلم له علة، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. وذكره الهيثمي في "المجمع" (٦/ ٣٣٠) وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح.