وقد اختار ابن جرير هاهنا قولًا غريبًا جدًّا، وحاصله أن معنى الآية عنده، وإذا حضر القسمة -أي: وإذا حضر قسمة مال الوصية أولوا قرابة الميت فارزقوهم منه، وقولوا لليتامى والمساكين إذا حضروا قولًا معروفًا. هذا معنى ما حاوله بعد طول العبارة والتكرار (٩١)، وفيه نظر، والله أعلم.
وقال [١]: العوفي عن ابن عباس: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ هي قسمة اليراث. وهكذا قال غير واحد. والمعنى على هذا، لا على ما سلكه [أبو جعفر][٢] ابن جرير ﵀ بل المعنى أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يرثون واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل فإن أنفسهم تتوق إلى شيء منه إذا رأوا، هذا يأخذ، وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطونه [٣]، فأمر الله تعالى -وهو الرءوف الرحيم- أن يرضخ لهم شيء من الوسط يكون برًّا بهم، وصدقة عليهم، وإحسانًا إليهم، وجبرًا لكسرهم. كما قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وذم الذين ينقلون [٤] المال خفية خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة، كما أخبر عن أصحاب الجنة ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ أي: بليل. وقال: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيكُمْ مِسْكِينٌ﴾ فـ ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ فمن جحد حق الله عليه عاقبه الله في أعز ما يملكه، ولهذا جاء في الحديث:"ما خالطت الصدقة مالا إلا أفسدته"(٩٢).
أي: منعها يكون سبب محاق [٥] ذلك المال بالكلية.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله ويوفقه، ويسدّده للصواب، ولينظر [٦] لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشى عليهم الضيعة.
(٩١) انظر: تفسير الطبري (٨/ ١٢). (٩٢) رواه الإمام الشافعي في مسنده (شفاء العي (١/ ٤٠٥) (٦٠٧) وعنه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ١٥٩) والبغوي في شرح السنة (١٥٦٣)، ورواه الحميدي في مسنده (٢٣٧)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٢١٤) وعنه البيهقي (٤/ ١٥٩). - كلهم من طريق محمد بن عثمان بن صفوان بن أمية القرشي الجمحي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ به مرفوعًا. ومحمد بن عثمان هذا، قال أبو حاتم: منكر الحديث، وقال الدارقطني: ليس بالقوي، ووثقه ابن حبان. قال ابن عدي: ومحمد بن عثمان بن صفوان يُعرف بهذا الحديث، ولا أعلم أنه رواه عن هشام بن عروة غيرُه.