أعلم. وقد تقدم فيما رواه أبو داود، منفردًا من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس، في قوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ قال: وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، أي: نهى عن ذلك.
قال عكرمة، والحسن البصري: وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية، ولكن نُهِيَ المسلمون عن فعله في الإِسلام.
وقال عبد الرحمن بن زيد: كان العضل في قريش بمكة، ينكح الرجل المرأة الشريفة، فلعلها لا توافقه فيفارقها على أن لا تتزوج إلا بإذنه، فيأتي بالشهود، فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها الخاطب، فإن أعطته وأرضته [١] أذن لها، وإلا عضلها. قال: فهذا قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾. الآية.
وقال مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ﴾: هو كالعضل في سورة البقرة.
وقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم، بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾. وقال رسول الله ﷺ:"خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهله"(١٨٣).
(١٨٣) - أخرجه الترمذي في كتاب المناقب، باب: في فضل أزواج النبي ﷺ (٣٨٩٢)، والدارمي في سننه (٢/ ١٥٩)، وابن حبان في صحيحه: الإحسان (٩/ ٤٨٤) (٤١٧٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/ ١٣٨)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧/ ٤٦٨) - كلهم من طريق محمد بن يوسف الفريابي، عن سفيان الثوري، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ مرفوعًا. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث الثوري، ما أقَلَّ من رواه عن الثوري! وروى هذا، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي ﷺ مرسل. وقال أبو نعيم: تفرد به عن الثوريِّ الفريابيّ. ومحمد بن يوسف الفريابي: إمام من أصحاب الثوري، وثقه الأئمة، ولكن نقل العجلي عن بعض البغداديين قوله: أخطأ محمد بن يوسف في مائة وخمسين حديثًا من حديث سفيان. وقال ابن عدي: له إفرادات عن الثوري، وله حديث كثير عن الثوري، وقد تقدم الفريابي في الثوري على جماعة مثل عبد الرزاق ونظرائه، وقالوا: الفريابي أعلم بالثوري منهم ا هـ. وللحديث طرق أخرى لا نطيل بذكرها.