وقال محمد بن جرير (١٤١): حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أبان العطار، حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أن عبد الملك بن مروان كتب إليه يسأله عن أشياء، فكتب إليه عروة: سلام عليك؛ فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنك كتبت إلى تسألني عن مخرج رسول الله، ﷺ، من مكة، وسأخبرك به، ولا حول ولا قوة إلا بالله: كان من شأن خروج [١] رسول الله ﷺ من مكة، أن الله أعطاه النبوة، فنعم النبي، ونعم السيد، ونعم العشيرة، فجزاه الله خيرًا، وعرفنا وجهه في الجنة، وأحيانا على ملته، [وأماتنا عليها][٢]، وبعثنا عليها، وأنه لما دعا قومه لما بعثه الله له [٣] من الهدى والنور الذي أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم إليه [٤]، وكادوا يسمعون منه، حتى إذا [٥] ذكر طواغيتهم، وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكر ذلك عليه ناس، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال، وأغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس فتركوه، إلا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث، ثم ائتمرت رءوسهم بأن يفتنوا من اتبعه عن دين الله، من أبنائهم وإخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال، فافتتن من افتتن، وعصم الله من شاء منهم، فلما فُعِل ذلك بالمسلمين، أمرهم رسول الله، ﷺ، أن يخرجوا إلى أرض الحبشة، وكان بالحبشة ملك صالح يقال له: النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يُثنَى عليه مع ذلك، وكانت أرض الحبشة متجرًا لقريش يتجرون فيها، وكانت مَسْكَنًا لتجارهم، يجدون [٦] فيها رفاغا [٧] من الرزق، وأمنًا ومتجرًا حسنًا، فأمرهم [٨] بها النبي، ﷺ، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم، ثم إنه فشا الإِسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم ومنعتهم.
فلما رأوا ذلك استرخوا استرخاءة [٩] عن رسول الله، ﷺ، وعن
(١٤١) - تفسير ابن جرير (١٣/ ٥٣٩ - ٥٤٣) رقم (١٦٠٨٣).