لما ضرب الله تعالى مثل [١] قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الشافعية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل؛ ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إن الله تعالى من الأرض، وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد، فقال: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ أي: أمر الله تعالى برفعها أي: بتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها، كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ قال: نهى الله سبحانه عن اللغو فيها.
وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة [٢]، وسفيان بن حسين وغيرهم من علماء المفسرين.
وقال قتادة: هي هذه المساجد، أمر الله ﷾ ببنائها [ورفعها وأمر بعمارتها][٣] وتطهيرها، وقد ذكر لنا أن كعبًا كان يقول:[إن في التوراة مكتوبًّا][٤]: ألا إن بيوتي في الأرض المساجد، وإنه من توضأ فأحسن وضوءه، ثم زارني في بيتي، أكرمته وحقٌّ على المزور كرامة الزائر. رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره.
وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطيبها وتبخيرها، وذلك له محل مفرد يذكر فيه، وقد كتبت في ذلك جزءًا على حدة ولله الحمد والمنة. ونحن بعون الله تعالى نذكر ها هنا طرفًا من ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.
فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بنى مسجدًا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة" أخرجاه في الصحيحين (١٣٨).
وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب (١٣٩)﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من بني مسجدًا يذكر فيه اسم الله بني الله له بيتًا في الجنة"
(١٣٨) صحيح البخاري، كتاب الصلاة حديث (٤٥٠)، وصحيح مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة حديث (٥٣٣). (١٣٩) سنن ابن ماجه، كتاب المساجد والجماعات حديث (٧٣٥) من طريق الوليد بن أبي الوليد عن عثمان بن عبد الله عن عمر. وقال البوصيري في الزوائد (١/ ٢٦٠): "هذا إسناد مرسل، عثمان بن عبد الله بن سراقة روى عن عمر وهو جده لأمه، ولم يسمع منه. قاله المزي". ورواه بأن حبان في صحيحه.