فبعث الله الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ووعد في هذه الآية أن يجيب الدعوة الثانية أن يجعل من ذريته أمة مسلمة لك فمعنى الآية: ولأتم نعمتي عليكم: ببيان شرائع ملتكم الحنيفية وأهديكم لدين خليلي إبراهيم، كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يعني فكما أجبت دعوته بانبعاث الرسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين (١).
قال الإمام الطبري:" فبعث الله الرسول وهو محمد صلى الله عليه وسلم ووعد إجابة الدعوة الثانية بأن يجعل في ذريته أمة مسلمة، يعني كما أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وأتم نعمتي عليكم ببيان شرائع الملة الحنيفية"(٢).
قال الثعلبي:" وهذا على قول من يجعله متصلا بما قبلها وجوابا للآية الأولى"(٣).
الوجه الثالث: أن التقدير: وكذلك جعلناكم أمة وسطا كما أرسلنا فيكم رسولا، أي كما أرسلنا فيكم رسولا من شأنه وصفته كذا وكذا، فكذلك جعلناكم أمة وسطا. وهو قول أبي مسلم الأصفهاني (٦).
الثاني: أن (الكاف) متعلقة بما بعدها وهو قوله: {فاذكروني أذكركم}، معناه: كما أرسلنا فيكم رسولا منكم فاذكروني (٧)، وهذه الآية خطاب لأهل مكة والعرب، يعني: كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب رسولا منكم محمد صلى الله عليه وسلم (٨).
وهذا قول مجاهد (٩)، وعطاء (١٠)، وأبي نجيح (١١)، والكلبي (١٢)، ومقاتل (١٣)، والأخفش (١٤)، وابن كيسان (١٥).
واختاره الزجاج، فقال: " والأجود أن تكون (كما) معلقة بقوله عز وجل: {فاذكروني أذكركم}، أي فاذكروني بالشكر والإخلاص كما أرسلنا فيكم" (١٦).
(١) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٨ - ١٩. (٢) تفسير الطبري: ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩. (٣) تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩. (٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ٩٢. (٥) معاني القرآن: ١/ ٩٢، أي مقدّم فى اللفظ، مؤخر فى النية. والعبارة فى الطبرىّ ٣/ ٢١٠: «وزعموا أن ذلك من المقدّم الذي معناه التأخير». (٦) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٢. (٧) انظر: معاني القرآن للأخفش: ١/ ١٦٣، وتفسير الطبري: ٣/ ٢١٠. (٨) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١١٩، ومعاني القرآن للزجاج: ١/ ٢٢٨، قال الزجاج: " ومعنى الآية أنها خطاب لمشركي العرب، فخاطبهم الله عز وجل بما دلهم على إثبات رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال كما أرسلنا فيكم محمدا - صلى الله عليه وسلم - وهو رجل منكم أمي تعلمون أنه لم يتل كتابا قبل رسالته ولا بعدها إلا بما أوحي إليه، وإنكم كنتم أهل جاهلية لا تعلمون الحكمة ولا أخبار الأنبياء، ولا آبائهم ولا أقاصيصهم. فأرسل إليكم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأنبأكم بأخبار الأنبياء، وبما كان من أخبارهم مع أممهم، لا يدفع ما أخبر به أهل الكتاب، فكما أنعمت عليكم بإرساله فاذكروني - بتوحيدي، وتصديقه - صلى الله عليه وسلم -". [معاني القرآن: ١/ ٢٢٨]. (٩) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (١٣٩١): ص ١/ ٢٥٩، وتفسير الطبري (٢٣١٠): ص ٤/ ٢١٠، وتفسير الثعلبي: ٢/ ١٩، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٢. (١٠) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٢. (١١) انظر: تفسير الطبري (٢٣٠٩): ص ٣/ ٢١٠. (١٢) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩، ومفاتيح الغيب: ٤/ ١٢٢. (١٣) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩. (١٤) انظر: معاني القرآن: ١/ ١٦٣. (١٥) انظر: تفسير الثعلبي: ٢/ ١٩. (١٦) معاني القرآن: ١/ ٢٢٧.