للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ونرى بأن هذه المصائب الخمس (الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ) والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات: (القسم، واللام، والنون)؛ والتقدير: واللَّهِ لنبلونكم؛ والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح؛ و (نبلو) بمعنى نختبر.

الفوائد:

١ - من فوائد الآية: ابتلاء العباد بما ذكر الله من الخوف، والجوع، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات، وهو لمن وقع به ظاهر؛ ولغيرهم يكون الابتلاء بالاعتبار، والخوف أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين ابتلوا.

٢ - ومنها: أن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين: صابر، وساخط؛ وقد جاء في الحديث: «من رضي فله الرضا؛ ومن سخط فله السخط» (١)؛ فالصبر على المصائب واجب؛ وقد ذكر العلماء أن للإنسان عند المصيبة أربعة مقامات:

المقام الأول: الصبر - وهو واجب.

المقام الثاني: الرضا - وهو سنة على القول الراجح؛ والفرق بينه، والصبر، أن الصابر يتجرع مرارة الصبر، ويشق عليه ما وقع؛ ولكنه يحبس نفسه عن السخط؛ وأما الراضي: فإن المصيبة باردة على قلبه لم يتجرع مرارة الصبر عليه؛ فهو أكمل حالاً من الصابر.

المقام الثالث: الشكر: بأن يشكر الله على المصيبة.

فإن قيل: كيف يشكره على المصيبة؟

فالجواب: أن ذلك من وجوه:

منها: أن ينسبها إلى ما هو أعظم منها؛ فينسب مصيبة الدنيا إلى مصيبة الدين؛ فتكون أهون؛ فيشكر الله أن لم يجعل المصيبة في الأشد.

ومنها: احتساب الأجر على المصيبة بأنه كلما عظم المصاب كثر الثواب؛ ولهذا ذكروا عن بعض العابدات أنها أصيبت بمصيبة، ولم يظهر عليها أثر الجزع؛ فقيل لها في ذلك، فقالت: إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.

المقام الرابع: السخط - وهو محرم - بل من كبائر الذنوب؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية» (٢).

٣ - ومن فوائد الآية: البشرى للصابرين.

القرآن

{الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦)} [البقرة: ١٥٦]

التفسير:

من صفة هؤلاء الصابرين أنهم إذا أصابهم شيء يكرهونه قالوا: إنَّا عبيد مملوكون لله، مدبَّرون بأمره وتصريفه، يفعل بنا ما يشاء، وإنا إليه راجعون بالموت، ثم بالبعث للحساب والجزاء.

قوله تعالى: {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ} [البقرة: ١٥٦]، "أي نزل بهم كرب أو بلاء أو مكروه" (٣).

قال مقاتل: " يعني فيما ذكر من هذه الآية" (٤).

قال الآلوسي: " إشارة إلى أن الأجر لمن صبر وقت إصابتها، كما


(١) أخرجه الترمذي ص ١٨٩٢، كتاب الزهد، باب ٥٦: ما جاء في الصبر على البلاء، حديث رقم ٢٣٩٦، وأخرجه ابن ماجة ص ٢٧١٩، كتاب الفتن، باب ٢٣: الصبر على البلاء، حديث رقم ٤٠٣١، وفي الحديث سعد بن سنان مختلف فيه، قال الألباني في السلسلة الصحيحة: "سنده حسن" ١/ ٢٩٩، حديث رقم ١٤٦.
(٢) أخرجه البخاري ص ١٠١، كتاب الجنائز، باب ٣٨: ليس منا من ضرب الخدود، حديث رقم ١٢٩٧؛ وأخرجه مسلم ص ٦٩٥، كتاب الإيما، باب ٤٤: تحريم ضرب الخدود وشق الجيوب ... ، حديث رقم ٢٨٥ [١٦٥] ١٠٣.
(٣) صفوة التفاسير: ١/ ٩٤.
(٤) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/ ١٥١.

<<  <  ج: ص:  >  >>