للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

اللذين تخوَّف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي، وبَعضُهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية، على ما رُوي عن عائشة، وأيُّ الأمرين كان من ذلك، فليس في قول الله تعالى ذكره: {فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما}، الآية، دلالةٌ على أنه عَنى به وَضعَ الحرَج عَمن طاف بهما، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائزٍ بحظر الله ذلك، ثم جُعل الطواف بهما رُخصة، لإجماع الجميع على أن الله تعالى ذكره لم يحظُر ذلك في وقت، ثم رخص فيه بقوله: {فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما} " (١).

وروي عن حَبِيبة بنت أبي تجراة، قالت: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: "اسعَوا، فإن الله كتب عليكم السعي" (٢).

وفي رواية أخرى عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي، فاسعوا" (٣).

وقد استُدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج (٤)، لأنه عليه السلام طاف بينهما، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم". فكل ما فعله في حَجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم (٥).


(١) تفسير الطبري: ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠.
(٢) المسند (٦/ ٤٢١).
(٣) المسند (٦/ ٤٣٧).
(٤) مع الاتفاق على مشروعية السعي للحج والعمرة إلا أن أهل العلم اختلفوا في حكمه، فقال مالك والشافعي وأحمد في أظهر روايتيه: هو ركن من أركان الحج لا ينوب عنه الدم، وقال أبو حنيفة: هو واجب ينوب عنه الدم، وقال أحمد في إحدى روايتيه: هو سنة لا يجب بتركه دم، والأول أظهر لقول عائشة-رضي الله عنها-عند البخاري-فتح-: ٣/ ٧١٩ رقم: ١٧٩٠، ومسلم: ٢/ ٩٢٨ - ٩٢٩ رقم: ١٢٧٧، واللفظ له: (فلعمري! ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة)، وانظر: الذخيرة للقرافي: ٣/ ٢١٣، نهاية المحتاج للرملي: ٣/ ٣٢١، الإفصاح لابن هبيرة: ١/ ٢٧٨، المغني لابن قدامة: ٣/ ٢٣٨، فتح القدير لابن الهمام: ٢/ ٤٦٧.
(٥) انظر: تفسير ابن كثير: ١/ ٤٧١. قد فصّل الإمام الرازي في هذا الموضوع قائلا:
قوله تعالى: {لا جناح عليهن} أنه لا إثم عليه، والذي يصدق عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، أو ليس بواجب، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر، إذا عرفت هذا فنقول: مذهب الشافعي رحمه الله أن هذا السعي ركن، ولا يقوم الدم مقامه، وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس بركن، ويقوم الدم مقامه، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء، أن من تركه فلا شيء عليه، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه:
أحدها: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا"، فإن قيل: هذا الحديث متروك الظاهر، لأنه يقتضي وجوب السعي وهو العدو، ذلك غير واجب قلنا: لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله: {فاسعوا إلى ذكر الله} (الجمعة: ٩) والعدو فيه غير واجب، وقال الله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (النجم: ٣٩) وليس المراد منه العدو، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية، سلمنا أنه يدل على العدو، ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة، فيبقى أصل المشي واجبا.
وثانيها: ما ثبت أنه عليه السلام سعى لما دنا من الصفا في حجته، وقال: "إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدؤا بما بدأ الله به" فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، وإذا ثبت أنه عليه السلام سعى وجب أن يجب علينا السعي للقرآن والخبر، أما القرآن: فقوله تعالى: {واتبعوه} وقوله: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعونى} (آل عمران: ٣١) وقوله: {لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة} (الأحزاب: ٢١) وأما الخبر فقوله عليه السلام: "خذوا عني مناسككم" والأمر للوجوب.
وثالثها: أنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركنا كطواف الزيارة، ولا يلزم طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجهين:
أحدهما: هذه الآية وهي قوله: {لا جناح عليهن * أن يطوف بهما} وهذا لا يقال في الواجبات.
ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله: {ومن تطوع خيرا} فبين أنه تطوع وليس بواجب.
وثانيهما: قوله: "الحج عرفة" ومن أدرك عرفة فقد تم حجه، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه، ترك العمل به في بعض الأشياء، فيبقى معمولا به في السعي والجواب عن الأول من وجوه:
الأول: ما بينا أن قوله: {فلا جناح عليه} ليس فيه إلا أنه لا إثم على فاعله، وهذا القدر المشترك بين الواجب وغيره، فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب والذي يحقق ذلك قوله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلواة إن خفتم} (النساء: ١٠١) والقصر عند أبي حنيفة واجب، مع أنه قال فيه: {فلا جناح عليه} فكذا ههنا.
الثاني: أنه رفع الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما، وعندنا الأول غير واجب، وإنما الثاني هو الواجب.
الثالث: قال ابن عباس: كان على الصفا صنم وعلى المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، إذا عرفت هذا فنقول انصرفت الإباحة إلى وجود الصنمين حال الطواف لا إلى نفس الطواف كما لو كان في الثوب نجاسة يسيرة عندكم، أو دم البراغيث عندنا، فقيل: لا جناح عليك أن تصلي فيه، فإن رفع الجناح ينصرف إلى مكان النجاسة لا إلى نفس الصلاة.
الرابع: روي عن عروة أنه قال لعائشة: إني أرى أن لا حرج علي في أن لا أطوف بهما، فقالت: بئس ما قلت لو كان كذلك لقال: أن لا يطوف بهما، ثم حكى ما تقدم من الصنمين، وتفسير عائشة راجح على تفسير التابعين، فإن قالوا: قرأ ابن مسعود: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) واللفظ أيضا محتمل له كقوله: {يبين الله لكم أن تضلوا} (النساء: ١٧٦) أي أن لا تضلوا، وكقوله تعالى: {أن تقولوا يوم القيامة} (الأعراف: ١٧٢) معناه: أن لا تقولوا، قلنا: القراءة الشاذة لا يمكن اعتبارها في القرآن لأن تصحيحها يقدح في كون القرآن متواترا.
الخامس: كما أن قوله: {فلا جناح عليه} لا يطلق على الواجب، فكذلك لا يطلق على المندوب، ولا شك في أن السعي مندوب، فقد صارت الآية متروكة العمل بظاهرها.
وأما التمسك بقوله: {فمن تطوع خيرا} فضعيف، لأن هذا لا يقتضي أن يكون المراد من هذا التطوع هو الطواف المذكور أولا، بل يجوز أن يكون المقصود منه شيئا آخر قال الله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} (البقرة: ١٨٤) ثم قال: {فمن تطوع خيرا فهو خير له} (البقرة: ١٨٤) فأوجب عليهم الطعام، ثم ندبهم إلى التطوع بالخير فكان المعنى: فمن تطوع وزاد على طعام مسكين كان خيرا، فكذا ههنا يحتمل أن يكون هذا التطوع مصروفا إلى شيء آخر وهو من وجهين:
أحدهما: أنه يزيد في الطواف فيطوف أكثر من الطواف الواجب مثل أن يطوف ثمانية أو أكثر.
الثاني: أن يتطوع بعد حج الفرض وعمرته بالحج والعمرة مرة أخرى حتى طاف بالصفا والمروة تطوعا وأما الحديث الذي تمسكوا به فنقول: ذلك الحديث عام وحديثنا خاص والخاص مقدم على العام والله أعلم. (مفاتيح الغيب: ٤/ ١٤٦ - ١٤٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>