للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

قوله تعالى: {فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ} [البقرة: ١٥٨]، " أي من قصد بيت الله للحج أو العمرة" (١).

قال المراغي: " أي فمن أدى فريضة الحج أو اعتمر" (٢).

قال ابن عثيمنن: أي: فمن "قصده لأداء مناسك الحج؛ و (الْبَيْتَ) هو بيت الله؛ أي الكعبة" (٣).

قال الطبري: أي"فمن أتاه عائدًا إليه بَعدَ بدء" (٤).

وكل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو (حَاجٌّ إليه)، ومنه قول الشاعر (٥):

لأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولا كثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا

فقوله: (يحجون)، يكثرون التردد إليه لسُودده ورياسته. وإنما قيل للحاج " حاجّ "، لأنه يَأتي البيت قَبل التعريف، ثم يعود إليه لطَواف يوم النحر بعد التعريف، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطوَاف الصَّدرَ، فلتكراره العودَ إليه مرّة بعد أخرى قيل له: " حاجٌّ (٦).

واختلف في أصل (الحج)، على أقوال:

الأول: أن الحج في اللغة: كثرة الاختلاف إلى شيء والتردد إليه، فمن زار البيت للحج فإنه يأتيه أولا ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر. وهذا قول الطبري (٧)، وكثير من أهل اللغه.

الثاني: أن أصل الحجّ: القصد، وكلّ من قصد شيئًا فقد حجّه. وهذا اختيار الزجاج (٨)، والبيضاوي (٩)، وغيرهما.


(١) صفوة التفاسير: ١/ ٩٦.
(٢) تفسير المراغي: ٢/ ٢٧.
(٣) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.
(٤) تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٨.
(٥) البيت لمخبل السعدي (شاعر مخضرم)، انظر: المعاني الكبير: ٤٧٨، والاشتقاق لابن دريد: ٧٧، ١٥٦، وتهذيب الألفاظ: ٥٦٣، وإصلاح المنطق: ٤١١، والبيان والتبيين ٣: ٩٧، وشرح أدب الكاتب للجواليقي: ٣١٣، وللبطليوسي: ٤٠٥، واللسان (سبب) (حجج)، (قهر) (زبرق)، والجمرة لابن دريد: ١: ٣١، ٤٩/ ٣: ٤٣٤، وسمط اللآلي: ١٩١، والخزانة ٣: ٤٢٧.
وقد ذهب الطبري في تفسير البيت، كما ذهب ابن دريد وابن قتيبة والجاحظ وغيرهم إلى أن " السب " هاهنا العمامة، وأن سادات العرب كانوا يصبغون عمائمهم بالزعفران، ومنهم حصين بن بدر، وهو الزبرقان، وسمي بذلك لصفرة عمامته وسيادته. وذهب أبو عبيدة وقطرب إلى أنه " السب " هنا هي الاست، وكان مقروفًا، وزعموا أن قول قطرب قول شاذ، والصواب عندي أن أبا عبيدة وقطرب قد أصابا، وأنهم أخطأوا في ردهم ما قالا. فقد كان المخبل بذيء اللسان، حتى نسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما هو عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده " (النقائض: ١٠٤٨) قال أبو عبيدة في النقائض: " كان المخبل القريعي أهجى العرب. . . ثم كان بعده حسان بن ثابت، ثم الحطيئة، والفرزدق، وجرير، والأخطل. هؤلاء الستة الغاية في الهجاء وغيره، ولم يكن في الجاهلية ولا في الإسلام لهم نظير ". هذا وقد كان من أمر المخبل والزبرقان بن بدر ما كان في ضيافة الحطيئة (انظر طبقات فحول الشعراء: ٩٦ - ١٠٠)، وهجاؤه له، ثم ما استشرى من هجاء المخبل له، لما خطب إليه أخته خليدة، فأبى الزبرقان أن يزوجها له، وذمه. فهجاء وهجا أخته مقذعًا، وحط منه حتى قال له:
يَا زِبْرِقَانُ أخَابَنِي خَلَفٍ ... مَا أنْتَ وَيبَ أبِيكَ والفَخْرُ
مَا أنْتَ إلاّ فِي بَنِي خَلَفٍ ... كالإسْكَتَينِ عَلاهُمَا البَظْرُ
وكل شعره في الزبرقان وأخته مقذع. وهذا البيت الذي استشهد به الطبري من قذعه. وقبل البيت:
أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ عَمْرَةَ أنَّنِي ... تَخَاطَأَنِي رَيْبُ الزَّمَانِ لأَكْبَرَا
لأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كثيرةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا
تَمَنَّى حُصَيْنٌ أن يَسُودَ جِذَاعَهُ ... فأَمْسَى حُصَيْنٌ قد أُذِلَّ وأُقْهِرَا
وفي سيرة ابن هشام ٢: ٢٧٥ - ٢٧٦ قول عتبة بن ربيعة في أبي جهل: " سيعلم مصفراسته من انتفخ سحره، أنا أم هو! " فرماه بمثل ذلك من القبيح، الذي قاله المخبل السعدي. ومن زعم أن المخبل يقول إنه: " كره أن يعيش ويعمر حتى يرى الزبرقان من الجلالة والعظمة بحيث يحج بنو عوف عصابته "، فقد أخطأ، وقد نقض عليه البيت الثالث ما زعم، فإنه يصفه بأنه تمنى السيادة، ولكن ذلك لم يزده إلا ذلا وقهرًا، فكيف يتأتى أن يقول ما زعم هذا أنه أراده؟ بل أراد المخبل أن يسخر به ويتهكم، كما فعل في سائر هجائه له.
وقوله: " وأشهد " منصوب، عطفًا على قوله: " لأكبرا ".
(٦) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٩.
(٧) انظر: تفسير الطبري: ٣/ ٢٢٩.
(٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣٤.
(٩) انظر: تفسير البيضاوي: ١/ ١١٥.

<<  <  ج: ص:  >  >>