ومنه قول الشاعر (١):
يحج مأمومة في قعرها لجف ... قاست الطبيب قذاها كالمغاريد
وقال العجاج (٢):
لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدا من بعيد وضبر
قوله: اعتمر، أي قصد.
الثالث: أن أصل الحج في اللغة: زيارة شيء تعظّمه. قاله الليث (٣).
الرابع: أن الحج: الحلق، يقال: احجج شجتك، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل المحجاج في الشجة، فيكون المعنى: حج فلان أي حلق. قاله قطرب (٤).
قال القفال: "وهذا محتمل لقوله تعالى: {لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ} [الفتح: ٢٧] أي حجاجا وعمارا، فعبر عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق" (٥).
والقول الأول أولى بالصواب، وعليه الجمهور، لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه مرة بعد أخرى، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه" (٦).والله أعلم.
و(أو) في قوله: {أَوِ اعْتَمَرَ}، للتنويع؛ لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجاً؛ وإما أن يكون معتمراً" (٧).
وقي أصل (العمرة)، في اللغة: أقوال:
أحدهما: أنها من القصد. قاله الزجاج (٨).
قال الأزهري: "وقد يقال: الاعتمار القصد، وأنشد للعجاج (٩):
لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ ... غْزًى بَعِيدًا من بَعِيدٍ وَضَبَرْ
يعنى: حين قصد مغزًى بعيدًا " (١٠)
ومن ذلك قول أعشى باهلة (١١):
(١) البيت لعذار بن درة الطائي، في اللسان: (حجج)، والجمهرة: ١/ ٤٩، وفيها: "عياض-وسقال عذار"، وهو بلا نسبة في الحيوان: ٣/ ٤٢٥، والمثلث: ١/ ٤٦١، وشرح السقط: ١/ ٩، ومقاييس اللغة: ١/ ٢٣، والمخصص: ١٣: ١٨٢. والمغاريد: الصغار من الكمأة.
(٢) ديوانه "١٩" و "تفسير الطبري" "٢/ ٢٧" وغيرهما. والشطران من قصيدة له في مدح عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي, وقوله: "مغزى" أي غزوا وضبر: جمع قوائمة لثبت ثم وثب، وهو يصف بعده جيش عمر ابن عبيد الله وكان فتح الفتوح الكثيرة وعظم أمره في قتال الخوارج. هامش الطبري "٣/ ٢٢٩ لمحمود شاكر".
(٣) انظر: افتسير البسيط: ٣/ ٤٣٦.
(٤) انظر: مفاتيح الغيب: ٤/ ١٣٦.
(٥) مفاتيخ الغيب: ٤/ ١٣٦.
(٦) مفاتيخ الغيب: ٤/ ١٣٦.
(٧) تفسير ابن عثيمين: ٢/ ٨١.
(٨) انظر: معاني القرآن: ١/ ٢٣٤.
(٩) ديوانه: ١٩، تهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٦٦ (عمر)، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٢٥، "القرطبي" ٢/ ١٦٦، قوله: مغزى: أي غزوًا. ومعنى: ضبر الجواد: تهيأ للوثوب بقوائمه أو جمع قوائمه ليثب ثم وثب. ينظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٢٣٤.
(١٠) تفسير الثعلبي: ٢/ ٢٥، وتهذيب اللغة" ٣/ ٢٥٦٦ (عمر).
(١١) الأصمعيات: ٨٨. وأمالي الشريف المرتضى ٣: ١٠٠، الخزانة: ١: ٨٩، والجمهرة: ٣/ ١٤٠، والمرزباني: ١٤، واللسان: ٦/ ١٦، ومعجم البلدان: ٢/ ٣٦٧، والبيت ضمن قصيدة من المراثي المعدودات، يرثي بها أعشى باهلة أخاه لأمه المنتشر بن وهب بن سلمة بن كراثة بن هلال بن عمرو بن سلامة بن ثعلبة بن وائل بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس بن عيلان. وكان المنتشر رئيسًا. وكان من خبر مقتله ما رواه البغدادي في الخزانة عن جابر أخو بني فراص. وكان بنو نفيل عمرو بن كلاب أعداء له، فلما رأوا مخرجه وعورته وما يطلبه به بنو الحرث بن كعب – وطريقه عليهم، وكان من حج ذا الخلصة أهدى له هديا يتحرم به ممن لقيه – فلم يكن مع المنتشر هدى، فسار حتى إذا كان بهضب النباع انكسر له بعض غلمته الذين كانوا معه، فصعدوا في شعب من النباع فقالوا في غار فيه – وكان الأقيصر يتكهن – وأنذر بنو نفيل بالمنتشر بني الحرث بن كعب فقال الأقيصر: النجاء يا منتشر، فقد أتيت! فقال: لا أبرح حتى أبرد، فمضى الأقيصر وأقام المنتشر، وأتاه غلمته بسلاحه وأراد قتالهم فأمنوه، وكان قد أسر رجلا من بني الحرث بني كعب يقال له هند بن أسماء بن زنباع، فأسه أن يفدي نفسه فأبطأ عليه، فقطع أنملة، ثم أبطأ فقطع منه أخرى، وقد أمنه القوم ووضع سلاخه، فقال [أي هند بن أسماء]: أتؤمنون مقطعًا؟ والله لا أومنه! ثم قتل وقتل غلمته.