للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

والصواب "قراءة من قرأ: {حَتَّى يَطَّهَّرْنَ} بتشديدها وفتحها، بمعنى: حتى يغتسلن - لإجماع الجميع على أن حرامًا على الرجل أن يقرَب امرأته بعد انقطاع دم حيضها حتى تطهر" (١).

قال القرطبي: " وفي مصحف أبي وعبدالله {يتطهرن}، وفي مصحف أنس بن مالك {ولا تقربوا النساء في محيضهن واعتزلوهن حتى يتطهرن} " (٢).

قال الطبري: "وإنما اختُلف في (التطهر) الذي عناه الله تعالى ذكره، فأحل له جماعها.

فقال بعضهم: هو الاغتسال بالماء، لا يحل لزوجها أن يقربها حتى تغسل جميع بدنها.

وقال بعضهم: هو الوضوء للصلاة.

وقال آخرون: بل هو غسل الفرج، فإذا غسلت فرجها، فذلك تطهرها الذي يحلّ به لزوجها غشيانُها.

فإذا كان إجماعٌ من الجميع أنها لا تحلُّ لزوجها بانقطاع الدم حتى تطَّهر، كان بيِّنًا أن أولى القراءتين بالصواب أنفاهما للَّبس عن فهم سامعها. وذلك هو الذي اخترنا، إذ كان في قراءة قارئها بتخفيف " الهاء " وضمها، ما لا يؤمن معه اللبس على سامعها من الخطأ في تأويلها، فيرى أن لزوج الحائض غشيانَها بعد انقطاع دم حيضها عنها، وقبل اغتسالها وتطهُّرها" (٣).

قوله تعالى: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ} [البقرة: ٢٢٢]، أي" فإذا اغتسلن" (٤).

قال ابن عثيمين: وجمهور أهل العلم على أن المراد (اغتسلن)؛ فإن القرآن يفسر بعضه بعضاً؛ فهي كقوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} [المائدة: ٦]، أي اغتسلوا (٥).

قال الطبري: " فإذا اغتسلن فتطهَّرن بالماء" (٦).

قال الراغب: " دل أن ذلك شرط في إباحتها وأن لا يصح وطؤها إلا بانقطاع دمها" (٧).

وقد ذكر أهل التفسير في قوله: {فإذا تطهرن} [البقرة: ٢٢٢] وجوها (٨):

أحدها: فإذا اغتسلن. قاله ابن عباس (٩)، ومجاهد (١٠)، وعكرمة (١١)، والحسن (١٢)، وإبراهيم (١٣). وهو قول الجمهور (١٤).


(١) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٤.
(٢) تفسير القرطبي: ٣/ ٨٨.
(٣) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥.
(٤) وهو قول جمهور أهل التفسير، إذ قال به: الطبري في جامع البيان: ٤/ ٣٨٧، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ٢٠٥، والزجاج في معاني القرآن: ١/ ٢٩٧، وهود بن محكم في تفسير الكتاب العزيز: ١/ ٢١٠، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٦٩، والو احدي في الوسيط: ١/ ٣٢٨، والوجيز: ١/ ٣٢٨، والرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ٧٣، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٦١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٥٩، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٣٢٢، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٨٩، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ١٦٨، وابن جزيء في التسهيل: ١/ ١٢١، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١١٨، والنسفي في تفسيره: ١/ ١١١، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٢٢، والقاسمي في محاسن التأويل: ٣/ ٢٢٢، وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩.
(٥) انظر: تفسير ابن عثيمين: ٣/ ٣٤.
(٦) تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٥.
(٧) تفسير الراغب الأصفهاني: ١/ ٤٥٨.
(٨) انظر: تفسير الطبري: ٤/ ٣٨٥ وما بعدها.
(٩) انظر: تفسير الطبري (٤٢٦٩): ص ٤/ ٣٨٦.
(١٠) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧٠): ص ٤/ ٣٨٦.
(١١) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧١): ص ٤/ ٣٨٦.
(١٢) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧٣): ص ٤/ ٣٨٦.
(١٣) انظر: تفسير الطبري (٤٢٧٥): ص ٤/ ٣٨٦.
(١٤) انظر: جامع البيان للطبري: ٤/ ٣٨٦، تفسير ابن أبي حاتم-القسم الثاني من سورة البقرة-: ٢/ ٦٨٢ - ٦٨٣، النكت والعيون للماوردي: ١/ ٢٨٣، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٦٨ وغيرها. وقال به: ابن جرير في جامع البيان: ٤/ ٣٨٧، والسمرقندي في بحر العلوم: ١/ ٢٠٥، والزجاج في معاني القرآن: ١/ ٢٩٧، وهود بن محكم في تفسير الكتاب العزيز: ١/ ٢١٠، وابن العربي في أحكام القرآن: ١/ ١٦٩، والو احدي في الوسيط: ١/ ٣٢٨، والوجيز: ١/ ٣٢٨، والرازي في مفاتيح الغيب: ٦/ ٧٣، والزمخشري في الكشاف: ١/ ٣٦١، والبغوي في معالم التنزيل: ١/ ٢٥٩، وابن كثير في تفسير القرآن العظيم: ١/ ٣٢٢، والقرطبي في الجامع لأحكام القرآن: ٣/ ٨٩، وأبو حيان في البحر المحيط: ٢/ ١٦٨، وابن جزيء في التسهيل: ١/ ١٢١، والبيضاوي في أنوار التنزيل: ١/ ١١٨، والنسفي في تفسيره: ١/ ١١١، وأبو السعود في إرشاد العقل السليم: ١/ ٢٢٢، والقاسمي في محاسن التأويل: ٣/ ٢٢٢، وصديق خان في فتح البيان: ١/ ٤٤٨ - ٤٤٩، وغيرهم. وأجاز بعض من أباح للرجل أن يأتي امرأته بعد انقطاع الدم وقبل الغسل-على خلاف بينهم هل ذلك بإطلاق أم بعد مضي أكثر مدة الحيض، وهي عندهم عشرة أيام-أن يكون المراد بِالتطهر في قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْن} انقطاع دم الحيض، وحملوا التطهر هنا على الطهر في قوله: {حتَّى يَطْهُرْن} على قراءة التخفيف. انظر: أحكام القرآن لابن العربي: ١/ ١٦٥ - ١٦٧، المحرر الوجيز لابن عطية: ٢/ ١٨٢، أحكام القرآن لإلكيا الهراس: ١/ ١٩٩ - ٢٠٠، البحر المحيط لأبي حيان: ٢/ ١٦٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>