أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة ... يَحيدونَ عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ
قوله «طوريون»، أي: "وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام" (١).
والثالث: أن الطور ما أَنْبَتَ من الجبال خاصة، دون ما لم ينبت (٢)، وهذه رواية الضحاك عن ابن عباس (٣).
والرابع: أن الطور اسم لكل جبل، وهو قول قتادة (٤)، وورواية سعيد بن جبير عن ابن عباس (٥)، وعطاء (٦)، وعكرمة (٧) والحسن (٨)، والضحاك (٩)، والربيع بن أنس (١٠)، وأبي صخر (١١)، ومجاهد (١٢)، وابن زيد (١٣).
واختلف في الأصل اللغوي لكملة «الطور»، على وجهين:
الأول: أنها كلمة عربية، قال العجاج (١٤):
داني جناحيه من الطور فمر ... تقضّي البازي إذا البازيُّ كر
والثاني: أنها كلمة سريانية تعني: «الجبل». قاله مجاهد (١٥)، وابن زيد (١٦).
والقول الأول أقرب إلى الصواب، لأنه جاء «الطور» بمعنى الجبل في كلام العرب، كما سبق الاستشهاد بقول العجاج، وبه قال الإمام الطبري (١٧)، ومنه قول جرير (١٨):
فإن ير سليمان الجنّ يستأنسوا بها ... وإن ير سليمان أحب الطّور ينزل
قال القفال رحمه الله: إنما قال: «ميثاقكم»، ولم يقل: مواثيقكم، لوجهين (١٩):
أحدهما: أراد به الدلالة على أن كل واحد منهم قد أخذ ذلك كما قال: {ثم يخرجكم طفلا} [غافر: ٦٧] أي كل واحد منكم.
والثاني: أنه كان شيئا واحدا أخذ من كل واحد منهم كما أخذ على غيره فلا جرم كان كله ميثاقا واحدا ولو قيل مواثيقكم لأشبه أن يكون هناك مواثيق أخذت عليهم لا ميثاق واحد، والله أعلم.
قوله تعالى: {وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا} [النساء: ١٥٤]، أي: " وأمرناهم أن يدخلوا باب «بيت المقدس» سُجَّدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم" (٢٠).
(١) التفسير البسيط: ٢/ ٦٣٠.
(٢) هذا قول لم نجده في كتب اللغة في مادته.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥١): ص ١/ ١٢٩، وتفسير الطبري (١١٢٥): ص ٢/ ١٥٩.
(٤) أنظر: تفسير الطبري (١١١٨): ص ٢/ ١٥٨.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٢): ص ١/ ١٢٩.
(٦) أخرجه ابن أبي حاتم (٦٥٣): ص ١/ ١٢٩.
(٧) أنظر: تفسير الطبري (١١٢١): ص ٢/ ١٥٩.
(٨) تفسير ابن ابي حاتم: ص ٤/ ١١٠٥ ..
(٩) تفسير ابن ابي حاتم: ص ٤/ ١١٠٥ ..
(١٠) تفسير ابن ابي حاتم: ص ٤/ ١١٠٥ ..
(١١) تفسير ابن ابي حاتم: ص ٤/ ١١٠٥ ..
(١٢) أنظر: تفسير الطبري (١١١٦)، و (١١١٧): ص ٢/ ١٥٨.
(١٣) أنظر: تفسير الطبري (١١٢٣): ص ٢/ ١٥٩.
(١٤) ديوانه: ١٧، ومجاز القرآن: ٢/ ٣٠٠، وغريب الحديث: ١٨٠، وهو من قصيدة جيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقد ولي الولايات العظيمة، وفتح الفتوح الكثيرة، وقاتل الخوارج. والضمير في قوله: " دانى " يعود إلى متأخر، وهو " البازي " المذكور في البيت بعده. فإن قبله، ذكر عمر بن عبيد الله وكتائبه من حوله:
حول ابن غراء حصان إن وتر ... فات، وإن طالب بالوغم اقتدر
إذا الكرام ابتدروا الباع ابتدر ... دانى جناحيه من الطور فمر
يريد: " ابتدر منقضا انقضاض البازي من الطور، دانى جناحيه. . فمر " فقدم وأخر. وهو من جيد التقديم والتأخير. وقوله: " دانى " أي ضم جناحيه وقر بهما وضيق ما بينهما تأهبا للانقضاض من ذروة الجبل. ومر: أسرع إسراعا شديدا. وقوله: " تقضى " أصلها " تقضض "، فقلب الضاد الأخيرة ياء، استثقل ثلاث ضادات، كما فعلوا في " ظنن " " وتظنى " على التحويل. وتقضض الطائر: هوى في طيرانه يريد الوقوع. والبازي: ضرب من الصقور، شديد. وكسر الطائر جناحيه: ضم منهما شيئا - أي قليلا - وهو يريد السقوط.
(١٥) أنظر: تفسير الطبري (١١١٦)، و (١١١٧): ص ٢/ ١٥٨.
(١٦) أنظر: تفسير الطبري (١١٢٣): ص ٢/ ١٥٩.
(١٧) انظر: تفسيره: ٢/ ١٥٧. وانظر: مفردات ألفاظ القرآن: ٤٩٤.
(١٨) البيت من شواهد الثعلبي في تفسيره: ١/ ٢١٢.
(١٩) انظر: تفسير الرازي: ٢/ ١٠٠.
(٢٠) التفسير الميسر: ١٠٢.