أصح أسانيد المصريين (١)، ومثل هذه الأسانيد يعتني الحفاظ بها ويتتبعونها، فانفراد التمار عن أبي الوليد بهذه السلسلة مما يجعلنا نقطع بوهم التمار في ذلك ولا سيما أن التمار ليس ممن يحتمل تفرده، وما أحسن قول المعلمي اليماني! في " التنكيل" ١/ ٩٨: «وكثرة الغرائب إنما تضر الراوي في أحد (٢) حالين: الأولى: أن تكون مع غرابتها منكرة عن شيوخ ثقات بأسانيد جيدة. الثانية: أن يكون مع كثرة غرائبه غير معروف بكثرة الطلب».
الوجه الثالث: التفرد في هذا الحديث، بل إن هذا التفرد حصل في طبقةٍ متأخرةٍ، على أن المدارس الحديثية المتأخرة تنشط ويكثر الرواة فيها، فحصول التفرد في طبقة متأخرة غير مقبول قطعاً على أننا لا نشترط في الخبر المتابعة، ولا نعد مطلق التفرد علة، لكن التفرد في هذه الحال يكشف عن العلة. ويلقي الضوء على ما يكمن في أعماقِ الروايةِ من خطأ أو وهم.
الوجه الرابع: عدم وجود هذا الحديث في كتب السنة من الصحاح، والجوامع، والمسانيد القديمة، وعزوف المؤلفين القدامى عن تخريجه دلالة قوية على عدم صحته، بل إن غالب ما ينفرد به الطبراني وغيره من طبقته وممن بعده بتخريج حديث يكون الحديث غير صحيح. وربما أطلتُ في تعليل هذا الحديث؛ لأنَّ بعض الناس قد يغتر بظاهر الإسناد ثم يحكم بصحة الحديث دون الغور في خفايا العلل وبواطن الأسانيد، لذا نجد الهيثمي (٣) قال عن هذا الحديث في " مجمع الزوائد " ٧/ ٣٧: «رجاله رجال الصحيح». وقد ذكر
(١) انظر: " معرفة علوم الحديث ": ٥٦ وفي ط. السلوم: ٢٣٠، و" شرح التبصرة والتذكرة " ١/ ١١٢ بتحقيقي. (٢) هكذا في المطبوع، والجادة (إحدى). (٣) ومما يزاد هنا أنَّ حديث عقبة أورده السيوطي في " الدر المنثور " ٣/ ٥٧٧ وقال: «أخرجه الطبراني وابن مردويه بسند صحيح»، وإنما ذكرت قول السيوطي في الهامش لتساهله الكبير، وعدم الاعتماد عليه في صناعة الحديث.