وَأَمَّا البَصْرِيُونَ فَيَرَوْنَهَا كَلِمَةً مُفْرَدَةً تَدُلُّ عَلَى التَّثْنِيَةِ. كَمَا أَنَّ "كُلَّا" لَفْظٌ مُفْرَدٌ يَدُلُّ عَلَى الجَمْع فِي قَوْلِكَ: كُلُّ القَوْم جَاءَنِي. وَاحْتَجُّوا بِمَجِيء الخَبَرِ عَنْهَا مُفْرَدًا فِي نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ (١) وَكَذَلِكَ أَخْبَرُوا عَنْ "كِلَى" المُذَكَّرِ بِالمُفْرَدِ فِي نَحْوِ قَوْلِ جَرِيرٍ: (وافر)
كِلَا يَوْمَي أُمَامَةَ يَوْمُ صَدٍّ … وَإِنْ لَمْ نَأْتِهَا إِلَّا لِمَامَا (٢)
وَاخْتَلَفَ البَصْرِيُونَ فِيهَا، فَذَهَبَ بَعْضَهُمْ إِلَى أَنَّ التَّاءَ فِيهَا عِوَضٌ مِنْ لَامِ الفِعْلِ المَحْذُوفَةِ عَلَى مَعْنَى الْمُعَاقَبَةِ لَا عَلَى مَعْنَى البَدَلِ، يُرِيدُونَ أَنَّهَا عَاقَبَتْ لَامَ الفِعْلِ المَحْذُوفَةَ، كَمَا عَاقَبَتْ أَلفَ الوَصْلِ فِي "ابْنِ" و "اسْمِ" اللَّامَ السَّاقِطَةَ، وَكَمَا صَارَتِ التَّاءُ فِي "زَنَادِقَةِ"، مُعَاقِبَةً لِلْيَاءِ فِي "زَنَادِيقَ". وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى: أَنَّهَا بَدَلٌ مِنَ الوَاوِ الَّتِي هِيَ لَامُ الفِعْلِ، كَإِبْدَالِهَا فِي "تُرَاثٍ" وَ "تُخَمَةٍ"، وَأَصْلُهَا: كِلْوَى. وَمَنْ رَأَى هَذَا الرَّأْيَ فَحُكْمُهُ أَنْ يَقُولَ فِي النَّسَبِ إِلَيْهَا: كِلْتَوِيٌّ، فِي لُغَةِ مَنْ يَقُولُ: حُبْلَوِيٌّ، وَكِلْتِيٌّ فِي لُغَةِ مَنْ يَقُولُ: حُبْلِيٌّ.
وَأَمَا مَنْ جَعَلَهَا عِوَضًا عَلَى مَعْنَى المُعَاقَبَةِ، فَقِيَاسُ قَوْلِهِ أَنْ يَقُولَ فِي النَّسَبِ إِلَيْهَا: كِلَوِيٌّ، كَمَا يُقَالُ فِي "اسْمٍ": سُمَوِيٌّ، وَمَنْ قَالَ: اسْمِيٌّ، كِلْتَوِيٌّ أَوْ كِلْتِيٌّ.
وَلِسيبويهِ فِيهَا كَلَامٌ مُشْكِلٌ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَيْنِ جَمِيعًا، لأَنَّهُ قَالَ فِي بَابِ "الإِضَافَةِ إِلَى مَا فِيهِ الزَّوَائِدُ مِنْ بَنَاتِ الحَرْفَيْنِ" بِإِثْرِ كَلَامِهِ فِي "بِنْتٍ" وَذَلِكَ: "كِلْتَا وَثِنْتَانِ يُقَالَ: كِلَوِيٌّ وَثَنَوِيٌّ، وَبِنْتَانِ بَنَوِيٌّ" (٣). وَأَمَّا يُونُسُ فَيَقُولُ: "بِنَتِيٌّ" (٤). وَيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُول: هَنتِيٌّ وَمَنتِيٌّ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ.
وَلِسيبويه في "بِنْتٍ" كَلَامٌ مُضْطَرِبٌ، وَكَذَلِكَ فِي "أُخْتٍ" يَقْتَضِي بَعْضَهُ أَنَّ التَّاءَ فِيهِمَا لِلتَّأْنيثِ، وَيَقْتَضِهِي بَعْضُهُ إِنَّهَا لِلإِلْحَاقِ. وَقَدْ شَبَّهَ كِلْتَا بِبِنْتٍ،
(١) سورة الكهف (١٨): الآية ٣٣.(٢) ديوانه: ٦٧٨.(٣) الكتاب: ٣/ ٣٦٣.(٤) المسائل العضديات: ١٤٣، الشيرازيات: ٢/ ٤٨٦؛ الكتاب: ٢/ ٩٨.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.