وأما الثانية: فإن كانا يتبجحان بثلاثين عامًا في صنعة الحديث، فالحافظ ابن حجر أمضى قرابة الثلاثين عامًا في تنقيح وتهذيب تقريبه، ليكون عَلَمًا تقر به عينه، وعيون محبيه ومحبي السنة المطهرة.
وبدهي أن من أمضى في كتاب واحد قرابة الثلاثين عامًا، له خبرة أكبر وأعمق وأدق ممن أمضى ثلاثين عامًا في عدة كتب ملؤها التغيير بلا تحرير، والنقل من غير إشارة، والحكم بلا استقصاء.
تاسعًا:(ص ١٨): قالا: "لقد شاع بين الناس أن النقد الحديثي يقوم على الإسناد والنظر فيما قرره النقاد الجهابذة من أحوال الرواة جرحًا أو تعديلًا وهو أمر يحتاج إلى دراسة وإيضاح، فالنقد الحديثي فيما نرى مر بمراحل. . . إلخ".
أقول: أي أناس قد شاع بينهم هذا الكلام، فإن كانوا عوامَّ فلا اعتداد بموافقتهم، فكيف بمخالفتهم؟
وإن كانوا أهل اختصاص فمن هم؟ والمقرر في كتب المصطلح: أن صحة الإسناد لا تقتضي صحة المتن (انظر: معرفة أنواع علم الحديث:).
أم هو مجرد إلقاء للكلام على عواهنه حتى وإن انطوى على أخطاء جوهرية توطئة للدخول في تقسيمهم السقيم -والذي سأنتقده أيضًا- إن شاء اللَّه تعالى؟
عاشرًا:(ص ١٨): قالا: "المرحلة الأولى: وتقوم على نقد المتون وعلى أساسها تم الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا، وهي مرحلة تمتد من عصر الصحابة حتى نهاية النصف الأول من القرن الثاني الهجري. . . إلخ".
أقول: إن تقسيمهما هذا، قول مخترع غير مسبوق قائله بمثله، ومبناه الوهم وثمرته التخليط، فهذه المرحلة بنصهما ما عاش فيها إلا الصحابة وبعض كبار التابعين حتى نهاية القرن الأول الهجري، ولم يتكلم في المتون نقدًا في ذلك الوقت سوى الصحابة ﵃ أجمعين- ولم يمثل المحرران إلا