ثم إن المحررين قررا (ص ٢٣) هذا الأمر -دراسة أحاديث الراوي- ونصا عليه فكان من مبلغ تناقضهما، فقالا:"وهذه المرحلة هي المرحلة الأكثر أهمية في تاريخ الجرح والتعديل، وهي التي ينبغي أن تتبع اليوم ولا سيما في المختلف فيهم، إذ يتعين جمع حديثهم، ودراسته من عدة أوجه. . . إلخ فانظر كيف يبنيان أساسًا ثم يهدمانه، كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا (١).
وهذا الذي قرراه مجرد تنظير منهما، والكتاب بمجلداته الأربعة يخلو من هذا المنهج أصلًا، وأنا أتحداهما أن يأتيا بمثل واحد كان دليلهما في الحكم عليه سبر حديث الراوي، ودراسة مروياته!!
ثامنًا:(ص ١٧): قالا: "لكل هذا رأينا أن من أهم الواجب علينا (٢) إعادة دراسة أحكام هذا الكتاب دراسة علمية متأنية قائمة على دعامتين رئيستين:
الأولى: ما تجمع لدينا من أحكام أثناء قيامنا بتحقيق "تهذيب الكمال" وما استدركناه عليه من أقوال في الجرح والتعديل مما لم يقف عليه هو أو المعنيون بكتابه من المختصرين والمستدركين.
الثانية: ما يسر اللَّه سبحانه لنا من خبرة عملية بالرجال وأحاديثهم بعد قيامنا بتحقيق عدد من أمهات دواوين السنة النبوية، وتخريج أحاديثها والحكم على أسانيدها في مدة تزيد على ثلاثين عامًا".
أقول: أما عمَّا سمياه دعامة أولى، فعدم ذكر ابن حجر له لا يستدعي عدم وقوفه عليه، وهو الخبير العالم بالرجال، بدليل أنه ينقل في كتبه الأخرى أقوالًا في الجرح والتعديل، وليست هي في التهذيبين.
(١) في هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢] (٢) وأنا رأيت أن من أهم الواجب علي إعادة دراسة أحكام هذا الكتاب (التحرير) دراسة علمية متأنية، بل أعتقد أن ذلك فرض عين علي بعد خمول الجميع عن التصدي له.