جهالة العين رواية راويين فأكثر (١)، وعدم وجود التوثيق يقدح في النفس عند تفرد المستور، ومذهب الحافظ في رواية المستور عدم الحكم فيها بحكم كلي بالرد أو القبول، بل هي موقوفة إلى استبانة حاله (٢). فإذا اعتضدت روايته بما يصح الاعتضاد به ترقت إلى الحسن لغيره، وإن عدمت المتابعة ردت لكن ليس لوجود ما يقتضي الرد، بل لعدم وجود ما يقتضي القبول.
والمهم الذي ينبغي التنبه له أن المستور كان ازدواجي التعبير عند الحافظ ابن حجر، فتارة يحكم عليه بأنه مستور، وتارة يحكم عليه بمجهول الحال والحكم هو هو في الحالتين، وهذا أمر خفي على المحررين، أو علماه وتجاهلا العمل به، فتعقباه في أكثر المواطن، وهي تعقبات فارغة، لاسيما إذا استحضرنا ما سبق بيانه. ولو أن الحافظ نص على تعبير واحد في مقدمته، ثم خالف ذلك في تضاعيف تقريبه، لصح تعقبه، لكن الرجل لم يترك الأمر ملتبسًا على مَن يطالع كتابه، وحجة توحيد الألفاظ حجة واهية وهاء بيت العنكبوت، فما كان من وكد المحررين إلا مخالفة أحكام الحافظ بأي صورة وهذه الحجة أحد تلك الصور، وقد تعقبتها في ثنايا الكتاب "كشف الإيهام" في أكثر المواطن التي تعقبا فيها الحافظ، فأغنى ذلك عن إعادتها هنا، واللَّه الموفق للصواب.
* * *
(١) الكفاية (ص ١٥٠). (٢) نزهة النظر (ص ١٣٦)، و (ص ٥٢ من طبعة العتر).