وقوله تعالى:{فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}؛ أي: فلمَّا غابَت، وعرضَ لها ما عرض للأوَّلين تبرَّأ منها ظاهرًا، ونبَّههم بهذا أنَّ الصَّانعَ هو الذي لا يجوزُ عليه شيءٌ مِن علامات الحدوث.
وقال الإمام القشيري رحمه اللَّه: إنَّ إبراهيمَ عليه السَّلام كان يلاحظُ الآثارَ والأغيارَ باللَّه، ثمَّ كان يرى الأشياء للَّه تعالى ومن اللَّه، ثمَّ طالعَ الأغيار محوًا في اللَّه، فصح منه قوله:{هَذَا رَبِّي} إشارةً إلى اللَّه.
وقال:{فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ} يعني: أحاطَ به سجوفُ (١) الطَّلب، ولم يَتجلَّ له صباحُ الشُّهود، وطلعَ له نجمُ العقل، فشاهدَ الحقَّ بسرِّه بنورِ البرهان، {قَالَ هَذَا رَبِّي}، ثمَّ زيدَ في ضيائه، فطَلعَ له قمرُ العلمِ، فطالعَهُ بحقيقةِ البيان، فـ {قَالَ هَذَا رَبِّي}، ثمَّ أسفرَ الصُّبح ومتعَ النهار (٢)، وطلعَتْ شموسُ العِرفان، فلم يبقَ للطَّلبِ مكانٌ، ولا للتُّهَمة قرارٌ، {قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ}؛ إذ ليس بعد العين ريبٌ ولا بعد الظُّهورِ سترٌ (٣).
وقال ابنُ عبَّاسٍ رضي اللَّه عنهما: كان يَنظرُ إلى هذا كلِّه وهو في السَّرب، فلما أفلَت الشَّمسُ أتى باب السَّرب، فرفعَ الصَّخرةَ عن بابِه، وخرجَ وهو ابنُ سبعِ سنين، فنظِرَ إلى السَّماء والأرض، ثمَّ قال: ربِّي الذي خلقَ هذا، ثمَّ مضى حتَّى أتى قومَهُ فإذا هم يَعكفون على أصنامٍ لهم، فلمَّا رآهم قال:{يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} فقالوا: فمَن تعبُدُ أنت؟ فقال، وذلك قوله تعالى:{إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ}؛ أي: أخلصتُ دِيني، وسَلَّمتُ نفسي.
(١) السجوف جمع سَجْف، وهو الستر. انظر: "القاموس المحيط" (مادة: سجف). (٢) في (ف): "وظهر النهار". يقال: متع النهار متوعًا: ارتفع قبل الزوال. "القاموس المحيط" (مادة: متع). (٣) انظر: "لطائف الإشارات" للقشيري (١/ ٤٨٥).