رَجُلًا، وَالْمَصْدَرُ كَإِعْتَاقِ رَقَبَةٍ، فَأَيُّ رَجُلٍ أَعْتَقَ فَقَدْ خَرَجَ عَنْ عُهْدَةِ الْخِطَابِ، وَيَصِحُّ مِنْهُ الِاسْتِثْنَاءُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: هَذَا الْمَثَلُ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، فَذَهَبَ قَتَادَةُ إِلَى أَنَّ الْعَبْدَ الْمَمْلُوكَ هُوَ الْكَافِرُ، لِأَنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ فِي الْآخِرَةِ بِشَيْءٍ مِنْ عِبَادَتِهِ، وَإِلَى أَنَّ مَعْنَى" وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً" الْمُؤْمِنُ. وَالْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ من أهل (العلم «١» والتأويل. قَالَ الْأَصَمُّ: الْمُرَادُ بِالْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ الَّذِي رُبَّمَا يَكُونُ أَشَدَّ مِنْ مَوْلَاهُ أَسْرًا «٢» وَأَنْضَرَ وَجْهًا، وَهُوَ لِسَيِّدِهِ ذَلِيلٌ لَا يَقْدِرُ إِلَّا عَلَى مَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ضَرْبًا لِلْمِثَالِ. أَيْ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُكُمْ وَشَأْنُ عَبِيدِكُمْ فَكَيْفَ جَعَلْتُمْ أَحْجَارًا مَوَاتًا شُرَكَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ وَعِبَادَتِهِ، وَهِيَ لَا تَعْقِلُ وَلَا تَسْمَعُ. الثَّانِيَةُ- فَهِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَمِمَّا قَبْلَهَا نُقْصَانَ رُتْبَةِ الْعَبْدِ عَنِ الْحُرِّ فِي الْمِلْكِ، وَأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا وَإِنْ مَلَكَ. قَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: الرِّقُّ يُنَافِي الْمِلْكَ، فَلَا يَمْلِكُ شَيْئًا أَلْبَتَّةَ بِحَالٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ. وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَمْلِكُ إِلَّا أَنَّهُ نَاقِصُ الْمِلْكِ، لِأَنَّ لِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنْهُ أَيَّ وَقْتٍ شَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمَنِ اتَّبَعَهُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ. وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: لَا تَجِبُ عَلَيْهِ عِبَادَةُ الْأَمْوَالِ مِنْ زَكَاةٍ وَكَفَّارَاتٍ، وَلَا مِنْ عِبَادَاتِ الْأَبْدَانِ مَا يَقْطَعُهُ عَنْ خِدْمَةِ سَيِّدِهِ كَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَفَائِدَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ سَيِّدَهُ لَوْ مَلَّكَهُ جَارِيَةً جَازَ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، وَلَوْ مَلَّكَهُ أَرْبَعِينَ مِنَ الْغَنَمِ فَحَالَ عَلَيْهَا الْحَوْلُ لَمْ تَجِبْ عَلَى السَّيِّدِ زَكَاتُهَا لِأَنَّهَا مِلْكُ غَيْرِهِ، وَلَا عَلَى الْعَبْدِ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ. وَالْعِرَاقِيُّ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَطَأَ الْجَارِيَةَ، وَالزَّكَاةُ فِي النِّصَابِ وَاجِبَةٌ عَلَى السَّيِّدِ كَمَا كَانَتْ. وَدَلَائِلُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. وَأَدَلُّ دَلِيلٍ لَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى:" اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ «٣» " فَسَوَّى بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ فِي الرِّزْقِ وَالْخَلْقِ. وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ ... " فَأَضَافَ الْمَالَ إِلَيْهِ. وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى عَبْدَهُ يَتَسَرَّى فِي مَالِهِ فَلَا يَعِيبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ. وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ عَبْدًا لَهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ طَلْقَتَيْنِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَرْتَجِعَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَمْلِكُ مَا بِيَدِهِ وَيَفْعَلُ فِيهِ مَا يَفْعَلُ الْمَالِكُ فِي مِلْكِهِ مَا لَمْ يَنْتَزِعْهُ سيده. والله أعلم.
(١). من ى.(٢). الأسر: الخلق.(٣). راجع ج ١٤ ص ٤٠.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.