يَوْمَ الْفَتْحِ- قَالَ أَبُو قُحَافَةَ وَقَدْ كُفَّ بَصَرُهُ يَوْمَئِذٍ لِابْنَتِهِ: اظْهَرِي بِي عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ. قَالَتْ: فَأَشْرَفْتُ بِهِ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا تَرَيْنَ؟ قَالَتْ: أَرَى سَوَادًا مُجْتَمِعًا. قَالَ: تِلْكَ الْخَيْلُ. قَالَتْ: وَأَرَى رَجُلًا مِنَ السَّوَادِ مُقْبِلًا وَمُدْبِرًا. قَالَ: ذَلِكَ الْوَازِعُ يَمْنَعُهَا أَنْ تَنْتَشِرَ. وَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ:" مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرَ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظَ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ إِلَّا مَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ" قِيلَ: وَمَا رَأَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:" أَمَا إِنَّهُ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ" خَرَّجَهُ الْمُوَطَّأُ. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُ النَّابِغَةِ:
عَلَى حِينَ عَاتَبْتُ الْمَشِيبَ عَلَى الصِّبَا ... وَقُلْتُ أَلَمَّا أَصْحُ وَالشَّيْبُ وَازِعُ
آخَرُ:
وَلَمَّا تَلَاقَيْنَا جَرَتْ مِنْ جُفُونِنَا ... دُمُوعٌ وَزَعْنَا غَرْبَهَا بِالْأَصَابِعِ
وَلَا يَزَعُ النَّفْسَ اللَّجُوجَ عَنِ الْهَوَى ... مِنَ النَّاسِ إِلَّا وَافِرُ الْعَقْلِ كَامِلُهُ
وَقِيلَ: هُوَ مِنَ التَّوْزِيعِ بِمَعْنَى التَّفْرِيقِ. وَالْقَوْمُ أَوْزَاعٌ أَيْ طَوَائِفٌ. وَفِي الْقِصَّةِ: إِنَّ الشَّيَاطِينَ نَسَجَتْ له بساطا فسخا فِي فَرْسَخٍ ذَهَبًا فِي إِبْرَيْسِمَ، وَكَانَ يُوضَعُ لَهُ كُرْسِيٌّ مِنْ ذَهَبٍ وَحَوْلَهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ كُرْسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ فَيَقْعُدُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَى كَرَاسِيِّ الذَّهَبِ، وَالْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاسِيِّ الْفِضَّةِ. الثَّانِيَةُ- فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى اتِّخَاذِ الْإِمَامِ وَالْحُكَّامِ وَزَعَةً يَكُفُّونَ النَّاسَ وَيَمْنَعُونَهُمْ مِنْ تَطَاوُلِ بَعْضِهِمْ على بعض، إذ لا يمكن الحكام ذَلِكَ بِأَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ وَهُوَ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ لَمَّا رَأَى مَا يَصْنَعُ النَّاسُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا يُصْلِحُ هَؤُلَاءِ النَّاسَ إِلَّا وَزَعَةٌ. وَقَالَ الْحَسَنُ أَيْضًا: لأبد لِلنَّاسِ مِنْ وَازِعٍ، أَيْ مِنْ سُلْطَانٍ يَكُفُّهُمْ. وَذَكَرَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانٍ كَانَ يَقُولُ: مَا يَزَعُ الْإِمَامُ أَكْثَرَ مِمَّا يَزَعُ الْقُرْآنُ، أَيْ مِنَ النَّاسِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قُلْتُ لِمَالِكٍ مَا يَزَعُ؟ قَالَ: يَكُفُّ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ ابن الْعَرَبِيِّ: وَقَدْ جَهِلَ قَوْمٌ الْمُرَادَ بِهَذَا الْكَلَامِ، فَظَنُّوا أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ أَنَّ قُدْرَةَ السُّلْطَانِ تردع
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.