وَيَقُولُونَ فِي الْأَمْرِ الْوَاضِحِ: هَذَا كَفَلَقِ الصُّبْحِ، وكانبلاج الفجر، وتباشير الصبح. قال الشاعر:
فوردت قبل انبلاج الفجر ... وابن ذكاء كامن فِي كَفْرِ «١»
التَّاسِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى:" ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ" جَعَلَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرَهُ اللَّيْلَ ظَرْفًا لِلْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ، وَالنَّهَارَ ظَرْفًا لِلصِّيَامِ، فَبَيَّنَ أَحْكَامَ الزَّمَانَيْنِ وَغَايَرَ بَيْنَهُمَا. فَلَا يجوز في اليوم شي مِمَّا أَبَاحَهُ بِاللَّيْلِ إِلَّا لِمُسَافِرٍ أَوْ مَرِيضٍ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ. فَمَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ مَنْ ذُكِرَ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ عَامِدًا بِأَكْلٍ أَوْ شُرْبٍ أَوْ جِمَاعٍ فَعَلَيْهِ القضاء والكفارة، لما رواه مالك فِي مُوَطَّئِهِ، وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هريرة أن رجلا أفطر في رمضان فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ أَوْ صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا، الْحَدِيثَ. وَبِهَذَا قَالَ الشَّعْبِيُّ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ: إِنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَخْتَصُّ بِمَنْ أَفْطَرَ بِالْجِمَاعِ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رسول الله فَقَالَ: هَلَكْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: (وَمَا أَهْلَكَكَ) قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، الحديث. وفية ذكر للكفارة عَلَى التَّرْتِيبِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَحَمَلُوا هَذِهِ الْقَضِيَّةَ عَلَى الْقَضِيَّةِ الْأُولَى فَقَالُوا: هِيَ وَاحِدَةٌ، وَهَذَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ بِهِ بَلْ هُمَا قَضِيَّتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، لِأَنَّ مَسَاقَهُمَا مُخْتَلِفٌ، وَقَدْ عَلَّقَ الْكَفَّارَةَ عَلَى من أفطر مجردا عن القيوم فَلَزِمَ مُطْلَقًا. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالطَّبَرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ فِي رِوَايَةٍ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيُّ. وَيَلْزَمُ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ مَعَ تَعَارُضِ الْأَحْوَالِ يَدُلُّ عَلَى هموم الْحُكْمِ. وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ مَعَ الْقَضَاءِ الْعُقُوبَةَ لِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ. الْعَاشِرَةُ- وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا يجب على المرأة يطؤها زوجها في شهر رَمَضَانَ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: عَلَيْهَا مِثْلُ مَا عَلَى الزَّوْجِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: ليس عليها
(١). قائل هذا البيت هو حميد الأرقط، كما في الصحاح. وذكاء (بالضم): اسم الشمس، ويقال للصبح: ابن ذكاء لأنه من ضوئها. والكفر (بالفتح): ظلمة الليل وسواده.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.