لِيُبَيِّنَ لَهُمْ} (١) ، وَقَالَ تَعَالَى: {لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُل} (٢) ، وَقَالَ تَعَالَى: {وَمَا عَلَى الرَّسُول إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبينَ} (٣) . وَأَمْثَالُ ذَلِكَ.
فَيُقَالُ: وَهَلْ قَامَتِ الْحُجَّةُ عَلَى الخلق ببيان الرسول أم لا؟
فَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَطَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهَا، وَإِنْ قَامَتِ الْحُجَّةُ بِبَيَانِ الرَّسُولِ عُلم أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى مُعَيَّنٍ آخَرَ يَفْتَقِرُ النَّاسُ إِلَى بَيَانِهِ، فَضْلًا عَنْ حِفْظِ تَبْلِيغِهِ، وَأَنَّ مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الْقُوَّةِ النَّاقِلَةِ لِكَلَامِ الرَّسُولِ وَبَيَانِهِ كَافِيَةٌ مِنْ ذَلِكَ. لَا سِيَّمَا وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ حِفْظَ مَا أَنْزَلَهُ مِنَ الذِّكْرِ، فَصَارَ ذَلِكَ مَأْمُونًا أَنْ يبدَّل أَوْ يغيَّر.
وَبِالْجُمْلَةِ دَعْوَى هَؤُلَاءِ الْمَخْذُولِينَ أَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ لَا يُحفظ وَلَا يُفهم إِلَّا بواحدٍ مُعَيَّنٍ، مِنْ أَعْظَمِ الْإِفْسَادِ لِأُصُولِ الدِّينِ. وَهَذَا لَا يَقُولُهُ - وَهُوَ يَعْلَمُ لَوَازِمَهُ - إِلَّا زِنْدِيقٌ مُلْحِدٌ، قَاصِدٌ لِإِبْطَالِ الدِّينِ، وَلَا يُروج هَذَا إِلَّا عَلَى مفرط في الجهل والضلال.
الوجه الثامن: أَنْ يُقال قَدْ عُلم بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ أَكْثَرَ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ بِدُونِ نَقْلِ عَلِيٍّ، فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا فَتَحَ الْأَمْصَارَ بَعَثَ إِلَى الشَّامِ وَالْعِرَاقِ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ مَنْ علَّمهم وَفَقَّهَهُمْ، وَاتَّصَلَ الْعِلْمُ مِنْ أُولَئِكَ إِلَى سَائِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ مَا بَلَّغَهُ عَلِيٌّ لِلْمُسْلِمِينَ أَعْظَمَ مِمَّا بَلَّغَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ وَأَمْثَالُهُمَا.
وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ. وَلَوْ لَمْ يُحفظ الدِّينُ إِلَّا بِالنَّقْلِ عَنْ عَلِيٍّ لَبَطَلَ عَامَّةُ الدِّينِ؛ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنقل عَنْ عَلِيٍّ إِلَّا أَمْرٌ قليل لا يحصل به المقصود
وَالنَّقْلُ عَنْهُ لَيْسَ مُتَوَاتِرًا، وَلَيْسَ فِي زَمَانِنَا مَعْصُومٌ يُمْكِنُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ، فَلَا حَوْلَ وَلَا قوة إلا بالله، وما أسخف عقول الرافضة!
(فَصْلٌ)
قَالَ الرَّافِضِيُّ: ((الرَّابِعُ: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى نَصْبِ إِمَامٍ مَعْصُومٍ، وَحَاجَةُ الْعَالَمِ دَاعِيَةٌ إِلَيْهِ، وَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ، فَيَجِبُ نَصْبُهُ. وَغَيْرُ عَلِيٍّ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ إِجْمَاعًا، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ هُوَ عَلِيٌّ. أَمَّا الْقُدْرَةُ فَظَاهِرَةٌ، وَأَمَّا الْحَاجَةُ فَظَاهِرَةٌ أَيْضًا لِمَا بَيَّنَّا من وقوع التنازع بين العالم.
(١) الآية ٤ من سورة إبراهيم.(٢) الآية ١٦٥ من سورة النساء.(٣) الآية ٥٤ من سورة النور.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.