١٢٨٢ - وَعَنْهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «كَانَتْ يَمِينُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
فِي الِاسْتِثْنَاءِ النِّيَّةُ وَهُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالنِّيَّةِ مِنْ غَيْرِ لَفْظٍ وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الْبُخَارِيُّ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بَابَ النِّيَّةِ فِي الْأَيْمَانِ (يَعْنِي بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ) وَمَذْهَبُ الْهَادَوِيَّةِ صِحَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ بِالنِّيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَلْفِظْ بِالْعُمُومِ إلَّا مِنْ عَدَدٍ مَنْصُوصٍ فَلَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ بِاللَّفْظِ. .
(وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: «كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا. وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) الْمُرَادُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ فِي الْقَسَمِ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ الْأَلْفَاظَ الَّتِي كَانَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقْسِمُ بِهَا " لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ " وَفِي رِوَايَةٍ (لَا وَمُصَرِّفِ الْقُلُوبِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ - وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ - وَاَللَّهِ - وَرَبِّ الْكَعْبَةِ) وَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ «كَانَ إذَا اجْتَهَدَ فِي الْيَمِينِ قَالَ: وَاَلَّذِي نَفْسُ أَبِي الْقَاسِمِ بِيَدِهِ».
وَلِابْنِ مَاجَهْ «كَانَتْ يَمِينُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا أَشْهَدُ عِنْدَ اللَّهِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» وَالْمُرَادُ بِتَقْلِيبِ الْقُلُوبِ تَقْلِيبُ أَعْرَاضِهَا وَأَحْوَالِهَا لَا تَقْلِيبُ ذَاتِ الْقَلْبِ. قَالَ الرَّاغِبُ تَقْلِيبُ اللَّهِ الْقُلُوبَ وَالْبَصَائِرَ صَرْفُهَا عَنْ رَأْيٍ إلَى رَأْيٍ وَالتَّقَلُّبُ التَّصَرُّفُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ} وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: الْقَلْبُ جُزْءٌ مِنْ الْبَدَنِ خَلَقَهُ اللَّهُ وَجَعَلَهُ لِلْإِنْسَانِ مَحَلَّ الْعِلْمِ وَالْكَلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الصِّفَاتِ الْبَاطِنَةِ وَجَعَلَ ظَاهِرَ الْبَدَنِ مَحَلَّ التَّصَرُّفَاتِ الْفِعْلِيَّةِ وَالْقَوْلِيَّةِ وَوَكَّلَ بِهِ مَلَكًا يَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَشَيْطَانًا يَأْمُرُ بِالشَّرِّ وَالْعَقْلُ بِنُورِهِ يَهْدِيهِ، وَالْهَوَى بِظُلْمَتِهِ يُغْوِيهِ وَالْقَضَاءُ مُسَيْطِرٌ عَلَى الْكُلِّ.
وَالْقَلْبُ يَتَقَلَّبُ بَيْنَ الْخَوَاطِرِ الْحَسَنَةِ وَالسَّيِّئَةِ، وَاللَّمَّةُ مِنْ الْمَلَكِ تَارَةً وَمِنْ الشَّيْطَانِ أُخْرَى وَالْمَحْفُوظُ مَنْ حَفِظَهُ اللَّهُ اهـ.
(قُلْت) وَقَوْلُهُ: وَالْكَلَامُ بِنَاءً مِنْهُ عَلَى إثْبَاتِ الْكَلَامِ النَّفْسِيِّ وَأَنَّ مَحَلَّهُ الْقَلْبُ وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (لَا) رَدٌّ وَنَفْيٌ لِلسَّابِقِ مِنْ الْكَلَامِ. وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْأَقْسَامِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَتْ الْهَادَوِيَّةُ حَيْثُ قَالُوا: الْحَلِفُ بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ لِذَاتِهِ أَوْ لِفِعْلِهِ لَا يَكُونُ عَلَى ضِدِّهَا، وَيُرِيدُونَ بِصِفَةِ الذَّاتِ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: لَا بُدَّ مِنْ إضَافَتِهَا إلَى اللَّهِ تَعَالَى كَعِلْمِ اللَّهِ وَيُرِيدُونَ بِصِفَةِ الْفِعْلِ كَالْعَهْدِ وَالْأَمَانَةِ إذَا أُضِيفَتْ إلَى اللَّهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ بِالنَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِالْأَمَانَةِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بِلَفْظِ «مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا» وَذَلِكَ لِأَنَّ الْأَمَانَةَ لَيْسَتْ مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى بَلْ مِنْ فُرُوضِهِ عَلَى الْعِبَادِ،
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.