أَرْضٍ فِيهَا الطَّاعُونُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الْآتِي وَظَاهِرِ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ الشُّمُولُ لِمَنْ فِي الدَّاخِلِ فَيَخْرُجُ فِرَارًا وَلِمَنْ فِي الْخَارِجِ فَلَا يَدْخُلُ فِرَارًا عَلَى أَنَّ اللَّازِمَ مِمَّا فُهِمَ مِنْ الْمُصَنِّفِ فِيمَا سَبَقَ مِنْ جَوَازِ السِّرَايَةِ بِإِذْنِهِ تَعَالَى وَتَرْجِيحِهِ عَدَمُ كَوْنِ الْفِرَارِ مِنْ الْآفَاتِ مُطْلَقًا، وَقَدْ سَمِعْت هُنَالِكَ فِرَارَ أَبِي مُوسَى وَالْأَسْوَدِ وَمَسْرُوقٍ، وَقَوْلَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِرُّوا مِنْ هَذَا الرِّجْزِ، وَفَتْوَى أَبِي السُّعُودِ عَلَى التَّجْوِيزِ بِنِيَّةِ الِالْتِجَاءِ مِنْ قَهْرِهِ تَعَالَى إلَى لُطْفِهِ، وَقَوْلَ الْأَشْبَاهِ مِنْ ضَمَانِ صَبِيٍّ مَغْصُوبٍ مَاتَ فِي مَكَانِ الْوَبَاءِ، وَأَيْضًا قِيَاسُهُ وَإِنْ رُدَّ عَلَيْهِ وَأَشَارَ هُوَ إلَى ضَعْفِهِ هُنَالِكَ أَيْضًا فَانْظُرْ، ثُمَّ سَبَبُ الطَّاعُونِ إمَّا بَاطِنٌ أَوْ ظَاهِرٌ فَالْأَوَّلُ كَثْرَةُ الزِّنَا كَمَا فِي حَدِيثِ «لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ» وَسِرُّهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجْرِ حَدُّ الزِّنَا فِي الْمُحْصَنِ مِنْ الْقَتْلِ بِالرَّجْمِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ طَائِفَةً مِنْ الْجِنِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ وَقِيلَ لَمَّا كَانَ غَالِبُ حَالِ الزِّنَا عَلَى السِّرِّ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّ السِّرِّ كَمَا نُقِلَ عَنْ السُّيُوطِيّ وَقَاعِدَةُ الْعَدْلِ إذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ الْبَلَاءُ يَعُمُّ الْكُلَّ، وَالثَّانِي الْجِنُّ كَمَا فِي حَدِيثِ الْجَامِعِ «الطَّاعُونُ وَخْزٌ» أَيْ طَعْنُ «أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ وَهُوَ لَكُمْ شَهَادَةٌ» ، وَفِيهِ أَيْضًا «الطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِأُمَّتِي وَوَخْزُ أَعْدَائِكُمْ مِنْ الْجِنِّ» وَعِنْدَ الْأَطِبَّاءِ تَعَفُّنُ الْهَوَاءِ وَعِنْدَ بَعْضٍ مَجْمُوعُهُمَا أَيْ طَعْنُ الْجِنِّ وَالتَّعَفُّنُ وَقِيلَ رِيحٌ وَقِيلَ وَقِيلَ، وَعَنْ ابْنِ سِينَا دَمٌ رَدِيءٌ وَوَفَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كَوْنِهِ مِنْ الْجِنِّ مِنْ جَوَازِ كَوْنِ طَعْنِ الْجِنِّ مُحْدِثًا فِي الطَّبِيعَةِ ذَلِكَ الدَّمَ (خ م عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرْفُوعًا «الطَّاعُونُ رِجْزٌ» فِي الْجَامِعِ اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ عَلَى رِوَايَةِ أُسَامَةَ بَقِيَّةُ «رِجْزٍ أَيْ عَذَابٍ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ» هُمْ الَّذِينَ أَمَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا فَخَالَفُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ الطَّاعُونَ فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ سَبْعُونَ أَلْفًا كَمَا فِي الْمُنَاوِيِّ، وَعَنْ الْوَسِيطِ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا مِنْ كِبَارِهِمْ، وَعَنْ التَّيْسِيرِ وَدَامَ فِيهِمْ حَتَّى بَلَغُوا سَبْعِينَ أَلْفًا أَوْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي «إذَا سَمِعْتُمْ بِهِ» أَيْ بِالطَّاعُونِ «بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ» لِأَنَّهُ إلْقَاءُ النَّفْسِ إلَى التَّهْلُكَةِ قَالَ التوربشتي إنَّهُ تَعَالَى شَرَعَ لَنَا التَّوَقِّيَ مِنْ الْمَحْذُورِ، وَقَدْ مَرَّ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَنَعَ أَصْحَابَهُ مِنْ الدُّخُولِ فِي مَدِينَةِ الْحِجْرِ؛ لِأَنَّهَا مَحَلُّ قَهْرِهِ تَعَالَى بِثَمُودَ، وَأَمَّا قَوْلُهُ «وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ أَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ» فَلِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْأَصِحَّاءُ ضَاعَتْ الْمَرْضَى مِنْ مُتَعَهِّدِي الْمَوْتَى مِنْ التَّجْهِيزِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا كَذَا فِي الْفَيْضِ.
وَعَنْ الْخَطَّابِيِّ فِي قَوْلِهِ فَلَا تَدْخُلُوهَا إثْبَاتٌ لِلْحَذَرِ وَنَهْيٌ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلتَّلَفِ وَقَوْلُهُ فَلَا تَخْرُجُوا إثْبَاتٌ لِلتَّوَكُّلِ وَتَسْلِيمٌ لِلْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ فَأَحَدُ الْأَمْرَيْنِ تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ وَالْآخَرُ تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ انْتَهَى. لَا يَخْفَى أَنَّ فِي هَذَيْنِ الْكَلَامَيْنِ إشَارَةً إلَى أَنَّ فِيهِ سِرَايَةً، ثُمَّ قِيلَ وَأَمَّا الْخُرُوجُ بِلَا فِرَارٍ لِحَاجَةٍ فَجَائِزٌ وَهَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْعَذَابَ إذَا نَزَلَ بِقَوْمٍ وَأَنْت فِيهِمْ فَلَا تَهْرُبْ مِنْ بَيْنِهِمْ فَإِنَّ الْعَذَابَ لَا يَدْفَعُهُ الْهَرَبُ وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ التَّوْبَةُ وَلْيَظُنَّ كُلُّ أَحَدٍ مِنْ أُولَئِكَ أَنَّ الْعَذَابَ إنَّمَا نَزَلَ عَلَى هَؤُلَاءِ بِشُؤْمِ ذَنْبِهِ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ.
(تَنْبِيهٌ) أَقُولُ السِّرُّ الْحَقِيقِيُّ فِي مَنْعِ الْخُرُوجِ وَالْفِرَارِ الْوُصُولُ إلَى الرَّحْمَةِ وَالشَّهَادَةِ كَمَا فِي الْجَامِعِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.