الْقَلْبَ أَوْ تُنَوِّرُهُ ثُمَّ الطَّاعَاتُ وَالْمَعَاصِي مُخْتَلِفَةٌ بِاخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ مَثَلًا مَنْ غَلَبَهُ الشُّحُّ فَلَيْسَ لَهُ صَوْمُ النَّافِلَةِ بَلْ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ لَهُ أَفْضَلُ مِنْ صَوْمِ النَّافِلَةِ، وَكَذَا مَنْ غَلَبَتْهُ شَهْوَةُ الْبَطْنِ فَلَهُ الصَّوْمُ دُونَ إخْرَاجِ الْمَالِ ثُمَّ قَالَ الصَّبْرُ وَالشُّكْرُ قَدْ يَجْتَمِعَانِ كَمَا ذُكِرَ، وَقَدْ يُغَايَرَانِ فَإِنْ كَانَتْ النِّعْمَةُ ضَرُورِيَّةً كَالْعَمَى فَصَبْرُهُ لَمْ يَشْكُ وَيَرْضَى بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَمَّا الْبَصِيرُ الْمُسْتَعْمِلُ فِي طَاعَتِهِ فَقَدْ شَكَرَ وَصَبَرَ عَلَى طَاعَتِهِ، وَكَذَا إنْ كَفَّ عَنْ الْحَرَامِ فَقَدْ شَكَرَ وَصَبَرَ أَيْضًا عَنْ الْحَرَامِ فَالْأَعْمَى فِيهِ فَضِيلَةُ الصَّبْرِ فَقَطْ، وَفِي الْبَصِيرِ الْمُتَّقِي عَنْ الْحَرَامِ أَوْ الْمُسْتَعْمِلِ فِي الطَّاعَةِ فَضِيلَةُ الشُّكْرِ وَالصَّبْرِ فَالْبَصِيرُ أَفْضَلُ مِنْ الْأَعْمَى وَالْأَعْمَى أَفْضَلُ مِنْ الْبَصِيرِ الْغَيْرِ الْغَاضِّ بَصَرَهُ عَنْ الْحَرَامِ، وَإِنْ كَانَتْ النِّعْمَةُ غَيْرَ ضَرُورِيَّةٍ، وَلَمْ تَكُنْ فَاضِلَةً عَنْ الْحَاجَةِ فَفِي الصَّبْرِ عَنْ الزِّيَادَةِ مُجَاهَدَةٌ، وَهَذَا الصَّبْرُ أَتَمُّ، وَأَقْوَى مِنْ صَبْرِ الْغَنِيَّ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى الْمُبَاحِ وَيُمْسِكُ مَالَهُ عَنْ الْفُقَرَاءِ، وَأَمَّا الْغَنِيُّ الَّذِي يَصْرِفُ مَالَهُ إلَى الْخَيْرَاتِ فَفِيهِ الشُّكْرُ وَالصَّبْرُ وَمَجْمُوعُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ كَانَ صَبْرُ الْفَقِيرِ أَفْضَلَ مِنْ جِهَةِ صَبْرِ هَذَا الْغَنِيِّ. وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفَقِيرُ الصَّابِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْغَنِيِّ الصَّابِرِ فَقَطْ وَمِنْ الْغَنِيِّ الشَّاكِرِ فَقَطْ، وَإِنْ كَانَ الْغَنِيُّ الصَّابِرُ الشَّاكِرُ أَفْضَلَ مِنْ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ فَقَطْ وَمَا قِيلَ الْغَنِيُّ الشَّاكِرُ أَفْضَلُ مِنْ الْفَقِيرِ الصَّابِرِ فَذَلِكَ لِعَدَمِ انْفِكَاكِ الشُّكْرِ عَنْ الصَّبْرِ وَمَا وَرَدَ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ فَضِيلَةِ الصَّبْرِ عَلَى الشُّكْرِ فَإِنَّمَا هُوَ فَضِيلَةٌ عَلَى الشُّكْرِ بِحَسَبِ مُتَفَاهَمِ عُرْفِ الْعَامَّةِ مِنْ أَنَّ النِّعْمَةَ الْمَالُ فَقَطْ.
(حَدّ) أَحْمَدُ (عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ) الْأَنْصَارِيِّ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ لِلْأَنْصَارِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ (- رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَنْ لَمْ يَشْكُرْ الْقَلِيلَ لَمْ يَشْكُرْ الْكَثِيرَ وَمَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرْ اللَّهَ» تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ يَعْنِي أَنَّ الشُّكْرَ لِمَنْ وَصَلَ الْغِنَى مِنْ يَدِهِ بِالْمُكَافَآتِ أَوْ الدُّعَاءِ لَهُ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَاجِبٌ كَشُكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَزَّ وَجَلَّ الْمَأْمُورِ بِهِ بِنَاءً عَلَى كَوْنِهِ سَبَبًا بِحَسَبِ الظَّاهِرِ لِوُصُولِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الْمُنْعِمُ حَقِيقَةً هُوَ اللَّهُ تَعَالَى قِيلَ فِي وَجْهِهِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَشْكُرْ النَّاسَ مَعَ مَا يَرَى مِنْ حِرْصِهِمْ عَلَى حُبِّ الثَّنَاءِ عَلَى الْإِحْسَانِ فَأَوْلَى بِأَنْ يَتَهَاوَنَ فِي شُكْرِ مَنْ يَسْتَوِي عِنْدَهُ الشُّكْرَانُ وَالْكُفْرَانُ. وَإِنَّمَا أُذِنَ لِلنَّاسِ فِي الشُّكْرِ مَعَ أَنَّ النِّعَمَ كُلَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ مَقْصُورَةٌ لَهُ تَعَالَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْثِيرِ الْأُلْفَةِ وَالْمَحَبَّةِ، وَفِي رِوَايَةٍ «لَا يَشْكُرُ اللَّهَ مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ» رُوِيَ بِرَفْعِ اللَّهِ وَالنَّاسِ وَنَصْبِهِمَا وَرَفْعِ أَحَدِهِمَا وَنَصْبِ الْآخَرِ (وَالتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى شُكْرٌ لَهُ تَعَالَى وَتَرْكُهَا) أَيْ النِّعْمَةِ (كُفْرٌ) أَيْ كُفْرَانُ نِعْمَةٍ أَوْ سَتْرٌ وَتَغْطِيَةٌ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ عِنْدَ قَوْله تَعَالَى - {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: ١١]- فَإِنَّ التَّحْدِيثَ بِهَا شُكْرٌ.
قَالَ فِي الْقُشَيْرِيَّةِ الشُّكْرُ إمَّا بِاللِّسَانِ، وَهُوَ الِاعْتِرَافُ بِالنِّعْمَةِ، وَإِمَّا بِالْبَدَنِ وَالْأَرْكَانِ، وَهُوَ اتِّصَافٌ بِالْوِفَاقِ وَالْخِدْمَةِ، وَإِمَّا بِالْقَلْبِ وَهُوَ اعْتِكَافُهُ عَلَى بِسَاطِ الشُّهُودِ بِإِدَامَةِ حِفْظِ الْحُرْمَةِ (وَالْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ) أَيْ لُزُومُ جَمَاعَةِ الْمُؤْمِنِينَ مُوصِلٌ إلَى الرَّحْمَةِ - {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: ١٠٣]- وَقِيلَ أَيْ الصَّلَاةُ مَعَهُمْ أَوْ اتِّبَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَقِيلَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى الْحَقِّ (وَالْفُرْقَةُ) بِالضَّمِّ عَلَى الِاحْتِمَالَاتِ السَّابِقَةِ (عَذَابٌ) ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى جَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.