فَاجِرٌ أَوْ جَارِيَتُكَ تَزْنِي، فَقَالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ هُوَ غُلَامٌ عَفِيفٌ حُرٌّ، وَجَارِيَةٌ عَفِيفَةٌ حُرَّةٌ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ حُرِّيَّةَ الْعِتْقِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ حُرِّيَّةَ الْعِفَّةِ، فَإِنَّ جَارِيَتَهُ وَعَبْدَهُ لَا يُعْتَقَانِ بِهَذَا أَبَدًا، وَكَذَا إِذَا قِيلَ لَهُ: كَمْ لِغُلَامِكَ عِنْدَكَ سَنَةً؟ فَقَالَ هُوَ عَتِيقٌ عِنْدِي، وَأَرَادَ قِدَمَ مُلْكِهِ لَهُ، لَمْ يُعْتَقْ بِذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إِذَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ الطَّلْقُ، فَسُئِلَ عَنْهَا، فَقَالَ: هِيَ طَالِقٌ، وَلَمْ يَخْطِرْ بِقَلْبِهِ إِيقَاعُ الطَّلَاقِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا فِي طَلْقِ الْوِلَادَةِ لَمْ تُطَلَّقْ بِهَذَا، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ صَرِيحَةٌ إِلَّا فِيمَا أُرِيدَ بِهَا وَدَلَّ السِّيَاقُ عَلَيْهَا، فَدَعْوَى أَنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي الْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ مُكَابَرَةٌ، وَدَعْوَى بَاطِلَةٌ قَطْعًا.
[فصل في سُجُودُ الشُّكْرِ مِنْ عَادَةِ الصَّحَابَةِ]
فَصْلٌ
وَفِي سُجُودِ كعب حِينَ سَمِعَ صَوْتَ الْمُبَشِّرِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ عَادَةَ الصَّحَابَةِ، وَهِيَ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ النِّعَمِ الْمُتَجَدِّدَةِ وَالنِّقَمِ الْمُنْدَفِعَةِ، وَقَدْ سَجَدَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لَمَّا جَاءَهُ قَتْلُ مسيلمة الكذاب، وَسَجَدَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا وَجَدَ ذَا الثُّدَيَّةِ مَقْتُولًا فِي الْخَوَارِجِ، وَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ بَشَّرَهُ جِبْرِيلُ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مَرَّةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، وَسَجَدَ حِينَ شَفَعَ لِأُمَّتِهِ فَشَفَّعَهُ اللَّهُ فِيهِمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَأَتَاهُ بَشِيرٌ فَبَشَّرَهُ بِظَفَرِ جُنْدٍ لَهُ عَلَى عَدُوِّهِمْ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عائشة، فَقَامَ فَخَرَّ سَاجِدًا، وَقَالَ أبو بكرة: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ لِلَّهِ سَاجِدًا» ، وَهِيَ آثَارٌ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا.
وَفِي اسْتِبَاقِ صَاحِبِ الْفَرَسِ وَالرَّاقِي عَلَى سِلَعٍ لِيُبَشِّرَا كعبا دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِ الْقَوْمِ عَلَى الْخَيْرِ، وَاسْتِبَاقِهِمْ إِلَيْهِ، وَتَنَافُسِهِمْ فِي مَسَرَّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا.
وَفِي نَزْعِ كعب ثَوْبَيْهِ وَإِعْطَائِهِمَا لِلْبَشِيرِ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِعْطَاءَ الْمُبَشِّرِينَ مِنْ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.