إِمْسَاكُهَا، قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ إِمْسَاكِ الْمَغْشُوشَةِ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهُ يَغُرُّ بِهِ وَرَثَتَهُ إِذَا مَاتَ وَغَيْرَهُمْ فِي الْحَيَاةِ، كَذَا عَلَّلَهُ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ.
السَّادِسَةُ: قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: إِذَا كَانَ الْغِشُّ فِي الدَّرَاهِمِ مُسْتَهْلَكًا بِحَيْثُ لَوْ صُفِّيَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صُورَةٌ جَازَتِ الْمُعَامَلَةُ بِهَا بِالِاتِّفَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَهْلَكًا، فَإِنْ كَانَتِ الْفِضَّةُ مَعْلُومَةً لَا تَخْتَلِفُ صِحَّةُ الْمُعَامَلَةِ بِهَا عَلَى عَيْنِهَا الْحَاضِرَةِ وَفِي الذِّمَّةِ بِالِاتِّفَاقِ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتِ الْفِضَّةُ الَّتِي فِيهَا مَجْهُولَةً فَفِيهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَصَحُّهَا الْجَوَازُ بِعَيْنِهِ وَفِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ رَوَاجُهَا، وَلَا يَضُرُّ اخْتِلَاطُهَا بِالنُّحَاسِ كَمَا لَا يَضُرُّ بَيْعُ الْمَعْجُونَاتِ بِالِاتِّفَاقِ، وَإِنْ كَانَتْ أَفْرَادُهَا مَجْهُولَةَ الْمِقْدَارِ. وَالثَّانِي: الْمَنْعُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْفِضَّةُ وَهِيَ مَجْهُولَةٌ، كَمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّبَنِ الْمَخْلُوطِ بِالْمَاءِ بِالِاتِّفَاقِ. وَالثَّالِثُ: يَصِحُّ بِأَعْيَانِهَا وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهَا فِي الذِّمَّةِ، كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالشَّعِيرِ بِعَيْنِهِ وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا وَلَا قَرْضُهَا. وَالرَّابِعُ: إِنْ كَانَ الْغِشُّ فِيهَا غَالِبًا لَمْ يَجُزْ وَإِلَّا جَازَ.
السَّابِعَةُ: قَالَ الخطابي: كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَتَعَامَلُونَ بِالدَّرَاهِمِ عَدَدًا وَقْتَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ عائشة فِي قِصَّةِ شِرَائِهَا بريرة: إِنْ شَاءَ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً فَعَلْتُ تُرِيدُ الدَّرَاهِمَ، فَأَرْشَدَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْوَزْنِ، وَجَعَلَ الْمِعْيَارَ وَزْنَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَكَانَ الْوَزْنُ الْجَارِي بَيْنَهُمْ فِي الدِّرْهَمِ سِتَّةَ دَوَانِيقَ - وَهُوَ دِرْهَمُ الْإِسْلَامِ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ - وَكَانَتِ الدَّرَاهِمُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ مُخْتَلِفَةَ الْأَوْزَانِ فِي الْبُلْدَانِ، فَمِنْهَا الْبَغْلِيُّ وَهُوَ ثَمَانِيَةُ دَوَانِيقَ، وَالطَّبَرِيُّ أَرْبَعَةُ دَوَانِيقَ، وَكَانُوا يَسْتَعْمِلُونَهَا مُنَاصَفَةً مِائَةً بَغْلِيَّةً وَمِائَةً طَبَرِيَّةً، فَكَانَ فِي الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا خَمْسَةُ دَرَاهِمَ زَكَاةً، فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ بَنِي أُمَيَّةَ قَالُوا: إِنْ ضَرَبْنَا الْبَغْلِيَّةَ ظَنَّ النَّاسُ أَنَّهَا الَّتِي تُعْتَبَرُ لِلزَّكَاةِ فَيُضَرُّ الْفُقَرَاءُ، وَإِنْ ضَرَبْنَا الطَّبَرِيَّةَ ضُرَّ أَرْبَابُ الْأَمْوَالِ فَجَمَعُوا الدِّرْهَمَ الْبَغْلِيَّ وَالطَّبَرِيَّ وَفَعَلُوهُمَا دِرْهَمَيْنِ كُلُّ دِرْهَمٍ سِتَّةُ دَوَانِيقَ، وَأَمَّا الدَّنَانِيرُ فَكَانَتْ تُحْمَلُ إِلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِ الرُّومِ، فَلَمَّا أَرَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ ضَرْبَ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ سَأَلَ عَنْ أَوْزَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَجْمَعُوا لَهُ عَلَى أَنَّ الْمِثْقَالَ اثْنَانِ وَعِشْرُونَ قِيرَاطًا إِلَّا حَبَّةً بِالشَّامِيِّ، وَأَنَّ كُلَّ عَشَرَةٍ مِنَ الدَّرَاهِمِ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ فَضَرَبَهَا - انْتَهَى كَلَامُ الخطابي.
وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ: اسْتَقَرَّ فِي الْإِسْلَامِ وَزْنُ الدِّرْهَمِ سِتَّةَ دَوَانِيقَ كُلُّ عَشَرَةٍ سَبْعَةُ مَثَاقِيلَ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ اسْتِقْرَارِهَا عَلَى هَذَا الْوَزْنِ فَقِيلَ كَانَتْ فِي الْفُرْسِ ثَلَاثَةُ أَوْزَانٍ مِنْهَا دِرْهَمٌ عَلَى وَزْنِ الْمِثْقَالِ عِشْرُونَ قِيرَاطًا، وَدِرْهَمٌ اثْنَا عَشَرَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.