وَهَذَا عَجَبٌ مِنَ الْقَوْلِ مَعَ وُضُوحِ أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا، لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ بَقَاءِ الْجَمَاعَةِ وَصِحَّةِ الِاقْتِدَاءِ مَعَ انْتِفَاءِ الثَّوَابِ فِي مَا لَا يُحْصَى، قَالَ: وَأَمَّا جَزْمُ الْبَارِزِيِّ بِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ فَأَعْجَبُ ; لِأَنَّ الْمُقَارَنَةَ مَكْرُوهَةٌ، وَالْمَكْرُوهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ، وَكَيْفَ يُتَخَيَّلُ مَعَ ذَلِكَ حُصُولُ الثَّوَابِ؟ .
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ فِي تَذْكِرَةِ الْخِلَافِ فِيمَنْ أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنَ الْجَمَاعَةِ: إِنَّا وَإِنْ حَكَمْنَا بِالصِّحَّةِ فَقَدْ فَاتَتْهُ الْفَضِيلَةُ، قَالَ الزركشي: وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فِي الْمُقَارَنَةِ جَرَى مِثْلُهُ فِي سَبْقِ الْإِمَامِ مِنْ بَابِ أَوْلَى، بَلْ يَجْرِي أَيْضًا فِي الْمُسَاوَاةِ مَعَهُ فِي الْمَوْقِفِ ; فَإِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ، وَالضَّابِطُ أَنَّهُ حَيْثُ فَعَلَ مَكْرُوهًا فِي الْجَمَاعَةِ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَأْمُومِ، فَاتَتْهُ فَضِيلَتُهَا إِذِ الْمَكْرُوهُ لَا ثَوَابَ فِيهِ، وَكَذَا لَوِ اقْتَدَى بِإِمَامٍ مُحْدِثٍ، وَهُوَ جَاهِلٌ بِحَدَثِهِ، فَإِنَّ صَلَاتَهُ تَصِحُّ، وَإِنْ فَاتَتْهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ، انْتَهَى كَلَامُ الْخَادِمِ بِحُرُوفِهِ، وَقَدْ تَحْصُلُ مِنْ هَذَا صُوَرٌ مَنْقُولَةٌ تَسْقُطُ فِيهَا الْفَضِيلَةُ مَعَ الصِّحَّةِ، بَعْضُهَا لِلْكَرَاهَةِ وَبَعْضُهَا لِلتَّحْرِيمِ، وَبَعْضُهَا لِعَدَمِ الطَّلَبِ.
فَمِنَ الْأَوَّلِ الْمُسَابَقَةُ، وَالْمُقَارَنَةُ، وَالْمُفَارَقَةُ وَالْمُسَاوَاةُ فِي الْمَوْقِفِ، وَمِنَ الثَّانِي صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ فِي أَرْضٍ مَغْصُوبَةٍ، وَمِنَ الثَّالِثِ صَلَاةُ الْعُرَاةِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِمَسْأَلَةِ الْمُسَاوَاةِ أَيْضًا الْحَافِظُ ابن حجر، فَقَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ: الْأَصْلُ فِي الْإِمَامِ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا عَلَى الْمَأْمُومِينَ، إِلَّا إِنْ ضَاقَ الْمَكَانُ، أَوْ كَانُوا عُرَاةً، وَمَا عَدَا ذَلِكَ تُجْزِئُ، وَلَكِنْ تَفُوتُ الْفَضِيلَةُ.
وَصَرَّحَ بِذَلِكَ أَيْضًا ابن العماد فِي الْقَوْلِ التَّمَامِ، وَعَلَّلَهُ بِارْتِكَابِ الْمَكْرُوهِ، وَكَذَا قَالَ الشَّيْخُ جلال الدين المحلي فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ مُعَبِّرًا بِقَوْلِهِ: وَيُؤْخَذُ مِنَ الْكَرَاهَةِ سُقُوطُ الْفَضِيلَةِ عَلَى قِيَاسِ مَا ذُكِرَ فِي الْمُقَارَنَةِ، ثُمَّ قَالَ الزركشي عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمُفَارَقَةِ: حَيْثُ جَوَّزْنَا لَهُ الْمُفَارَقَةَ، فَهَلْ يَبْقَى لِلْمَأْمُومِ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ الَّتِي أَدْرَكَهَا؟ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الصيرفي الْبَقَاءُ، وَكَلَامُ الْمُهَذَّبِ يَقْتَضِي الْمَنْعَ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَبَقَ عَنِ الْبَغَوِيِّ مِنْ تَفْوِيتِ الْفَضِيلَةِ بِالْمُقَارَنَةِ ; فَإِنَّهَا إِذَا فَاتَتْ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الصِّحَّةِ، فَلَأَنْ تَفُوتَ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي الْبُطْلَانِ أَوْلَى ثُمَّ قَالَ: وَالْمُتَّجَهُ التَّفْصِيلُ بَيْنَ الْمَعْذُورِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى.
وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ ابن العماد فِي الْقَوْلِ التَّمَامِ، وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهَا إِذَا فَاتَتْ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الصِّحَّةِ فَفِي الِاخْتِلَافِ فِي الْبُطْلَانِ أَوْلَى فَوَاتِهَا أَيْضًا فِي الْمُنْفَرِدِ وَخَلْفَ الصَّفِّ، فَإِنَّ مَذْهَبَ أحمد بُطْلَانُهَا، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَنَا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ خُزَيْمَةَ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي أبو الطيب عَنِ ابن المنذر، وَالْحُمَيْدِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ السبكي وَغَيْرُهُ: وَدَلِيلُهُمْ قَوِيٌّ، وَقَدْ عَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَقَالُوا: لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ وابصة
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.