فَإِذَا وَجَوَابُهَا صِلَةُ اللَّائِي، وَلَا صِلَةَ لِلَّذِينَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَتَى بِهِ لِلتَّأْكِيدِ. قَالَ أَصْحَابُنَا:
وَهَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ بَاطِلٌ، لِأَنَّ الْقِيَاسَ إِذَا أُكِّدَ الْمَوْصُولُ أَنْ تُكَرِّرَهُ مَعَ صِلَتِهِ لِأَنَّهَا مِنْ كَمَالِهِ، وَإِذَا كَانُوا أَكَّدُوا حَرْفَ الْجَرِّ أَعَادُوهُ مَعَ مَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ لِافْتِقَارِهِ إِلَيْهِ، وَلَا يُعِيدُونَهُ وَحْدَهُ إِلَّا فِي ضَرُورَةٍ، فَالْأَحْرَى أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِالْمَوْصُولِ الَّذِي الصِّلَةُ بِمَنْزِلَةِ جُزْءٍ مِنْهُ. وَخَرَّجَ أَصْحَابُنَا الْبَيْتَ عَلَى أَنَّ الصِّلَةَ لِلْمَوْصُولِ الثَّانِي وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ذَلِكَ الْمُبْتَدَأُ وَالْمَوْصُولُ فِي مَوْضِعِ الصِّلَةِ لِلْأَوَّلِ تَقْدِيرُهُ من النفر اللائي هُمُ الَّذِينَ أَذَاهُمْ، وَجَازَ حَذْفُ الْمُبْتَدَأِ وَإِضْمَارِهِ لِطُولِ خَبَرِهِ، فَعَلَى هَذَا يَتَخَرَّجُ قِرَاءَةُ زَيْدٍ أَنْ يَكُونَ قَبْلَكُمْ صِلَةَ مِنْ، وَمِنْ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، وَذَلِكَ الْمُبْتَدَأُ وَخَبَرُهُ صِلَةً لِلْمَوْصُولِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الَّذِينَ، التَّقْدِيرُ وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ قَبْلِكُمْ. وَعَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ تَكُونُ صِلَةُ الَّذِينَ قَوْلَهُ: مِنْ قَبْلِكُمْ، وَفِي ذَلِكَ إِشْكَالٌ، لِأَنَّ الَّذِينَ أَعْيَانٌ، وَمِنْ قَبْلِكُمْ جَارٌّ وَمَجْرُورٌ نَاقِصٌ لَيْسَ فِي الْإِخْبَارِ بِهِ عَنِ الْأَعْيَانِ فَائِدَةٌ، فَكَذَلِكَ الْوَصْلُ بِهِ إِلَّا عَلَى تأويل، وتأويله أنه يؤول إِلَى أَنَّ ظَرْفَ الزَّمَانِ إِذَا وُصِفَ صَحَّ وُقُوعُهُ خَبَرًا نَحْوَ: نَحْنُ فِي يَوْمٍ طَيِّبٍ، كَذَلِكَ يُقَدَّرُ هَذَا وَالَّذِينَ كَانُوا مِنْ زَمَانٍ قَبْلَ زَمَانِكُمْ. وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِنَّمَا ذَكَرَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، وَإِنْ كَانَ خَلْقُهُمْ لَا يَقْتَضِي الْعِبَادَةَ عَلَيْنَا لِأَنَّهُمْ كَالْأُصُولِ لَهُمْ، فَخَلْقُ أُصُولِهِمْ يَجْرِي مَجْرَى الْإِنْعَامِ عَلَى فُرُوعِهِمْ، فَذَكَّرَهُمْ عَظِيمَ إِنْعَامِهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ وَعَلَى أُصُولِهِمْ بِالْإِيجَادِ.
وَلَيْسَتْ لَعَلَّ هُنَا بِمَعْنَى كَيْ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ وَلَكِنَّهَا لِلتَّرَجِّي وَالْإِطْمَاعِ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُخَاطَبِينَ، لِأَنَّ التَّرَجِّيَ لَا يَقَعُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى إِذْ هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ «١» ، وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِقَوْلِهِ: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِذَا عَبَدْتُمْ رَبَّكُمْ رَجَوْتُمُ التَّقْوَى، وَهِيَ الَّتِي تَحْصُلُ بِهَا الْوِقَايَةُ مِنَ النَّارِ وَالْفَوْزُ بِالْجَنَّةِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَيَتَّجِهُ تَعَلُّقُهَا بِخَلَقَكُمْ لِأَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُوجَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَهُوَ بِحَيْثُ يُرْجَى أَنْ يَكُونَ مُتَّقِيًا. وَلَمْ يَذْكُرِ الزَّمَخْشَرِيُّ غَيْرَ تَعَلُّقِهَا بِخَلَقَكُمْ، قَالَ: لَعَلَّ وَاقِعَةٌ فِي الْآيَةِ مَوْقِعَ الْمَجَازِ لَا الْحَقِيقَةِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ عِبَادَهُ لِيَتَعَبَّدَهُمْ بِالتَّكْلِيفِ، وَرَكَّبَ فِيهِمُ الْعُقُولَ وَالشَّهَوَاتِ، وَأَزَاحَ الْعِلَّةَ فِي أَقْدَارِهِمْ وَتَمْكِينِهِمْ، وَهَدَاهُمُ النَّجْدَيْنِ، وَوَضَعَ فِي أَيْدِيهِمْ زِمَامَ الِاخْتِيَارِ، وَأَرَادَ مِنْهُمُ الْخَيْرَ وَالتَّقْوَى، فَهُمْ فِي صُورَةِ الْمَرْجُوِّ مِنْهُمْ أَنْ يَتَّقُوا لِتَرَجُّحِ أَمْرِهِمْ، وَهُمْ مُخْتَارُونَ بَيْنَ الطَّاعَةِ، وَالْعِصْيَانِ، كَمَا تَرَجَّحَتْ حَالُ الْمُرْتَجِي بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ وَأَنْ لَا يَفْعَلَ، انْتَهَى كَلَامُهُ. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ الِاعْتِزَالِيِّ مِنْ أَنَّ الْعَبْدَ مُخْتَارٌ، وَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ اللَّهَ مِنْهُ إِلَّا فِعْلَ الْخَيْرِ، وهي مسألة
(١) سورة الأنعام: ٦/ ٧٣.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.