الْبَاءِ كَأَنَّهُ قِيلَ وَأُمِرْنا بِأَنْ نُسْلِمَ وَمَجِيءُ اللَّامِ بِمَعْنَى الْبَاءِ قَوْلٌ غَرِيبٌ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ سِيبَوَيْهِ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَ بَلْ ذَلِكَ مَذْهَبُ الْكِسَائِيِّ وَالْفَرَّاءِ زَعَمَا أَنَّ لَامَ كَيْ تَقَعُ فِي مَوْضِعِ أَنْ فِي أَرَدْتُ وَأَمَرْتُ، قَالَ تَعَالَى: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ «١» يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا «٢» أَيْ أَنْ يُطْفِئُوا إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ «٣» أُرِيدُ لِأَنْسَى ذِكْرَهَا وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمَا أَبُو إِسْحَاقَ، وَذَهَبَ سِيبَوَيْهِ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ اللَّامَ هُنَا تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ وَأَنَّ الْفِعْلَ قَبْلَهَا يُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ وَالْمَعْنَى الْإِرَادَةُ لِلْبَيَانِ وَالْأَمْرُ لِلْإِسْلَامِ فَهُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ فَتَحَصَّلَ فِي هَذِهِ اللَّامِ أَقْوَالٌ: أَحَدُهَا أَنَّهَا زَائِدَةٌ، وَالثَّانِي أَنَّهَا بِمَعْنَى كَيْ لِلتَّعْلِيلِ إِمَّا لِنَفْسِ الْفِعْلِ وَإِمَّا لِنَفْسِ الْمَصْدَرِ الْمَسْبُوكِ مِنَ الْفِعْلِ، وَالثَّالِثُ أَنَّهَا لَامُ كَيْ أُجْرِيَتْ مَجْرَى أَنْ، وَالرَّابِعُ أَنَّهَا بِمَعْنَى الْبَاءِ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ التَّكْمِيلِ وَجَاءَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّهُ مَالِكُ الْعَالَمِ كُلِّهِ مَعْبُودِهِمْ مِنَ الْأَصْنَامِ وَغَيْرِهَا.
وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ أَنْ هُنَا مَصْدَرِيَّةٌ وَاخْتُلِفَ فِي مَا عُطِفَ عَلَيْهِ، قَالَ الزَّجَّاجُ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: لِنُسْلِمَ تَقْدِيرُهُ لِأَنْ نُسْلِمَ وأَنْ أَقِيمُوا. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ:
واللفظ يمانعه لأنّ لِنُسْلِمَ معرب وأَقِيمُوا مَبْنِيٌّ وَعَطْفُ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْمُعْرَبِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي التَّشْرِيكَ فِي الْعَامِلِ انْتَهَى، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُعْطَفُ الْمَبْنِيُّ عَلَى الْمُعْرَبِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَ، بَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ نَحْوَ قَامَ زَيْدٌ وَهَذَا، وَقَالَ تَعَالَى:
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ «٤» غَايَةُ مَا فِي هَذَا أَنَّ الْعَامِلَ إِذَا وَجَدَ الْمُعْرَبَ أَثَّرَ فِيهِ وَإِذَا وَجَدَ الْمَبْنِيَّ لَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ وَيَجُوزُ إِنْ قَامَ زَيْدٌ وَيَقْصِدْنِي أُحْسِنْ إليه، بجزم يقصدني فإن لَمْ تُؤَثِّرْ فِي قَامَ لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ وَأَثَّرَتْ فِي يَقْصِدُنِي لِأَنَّهُ مُعْرَبٌ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُجْعَلَ الْعَطْفُ فِي إِنْ وَحْدَهَا وَذَلِكَ قَلِقٌ وَإِنَّمَا يَتَخَرَّجُ عَلَى أَنْ يُقَدَّرَ قَوْلُهُ: أَنْ أَقِيمُوا بِمَعْنَى وَلْيُقِمْ ثُمَّ خَرَجَتْ بِلَفْظِ الْأَمْرِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ جَزَالَةِ اللَّفْظِ فَجَازَ الْعَطْفُ عَلَى أَنْ نُلْغِيَ حُكْمَ اللَّفْظِ وَنُعَوِّلَ عَلَى الْمَعْنَى، وَيُشْبِهُ هَذَا مِنْ جِهَةِ مَا حَكَاهُ يُونُسُ عَنِ الْعَرَبِ: ادْخُلُوا الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ وَإِلَّا فَلَيْسَ يَجُوزُ إِلَّا ادْخُلُوا الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ بِالنَّصْبِ انْتَهَى، وَهَذَا الَّذِي اسْتَدْرَكَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ إِلَى آخِرِهِ هُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الزَّجَّاجُ بِعَيْنِهِ وَهُوَ أَنَّ أَنْ أَقِيمُوا مَعْطُوفٌ عَلَى أَنْ نُسْلِمَ وأنّ كلاهما عِلَّةٌ لِلْمَأْمُورِ بِهِ الْمَحْذُوفِ وَإِنَّمَا قَلِقَ عِنْدَ ابْنِ عطية لأنه
(١) سورة النساء: ٤/ ٢٦.(٢) سورة الصف: ٦١/ ٨.(٣) سورة الأحزاب: ٣٣/ ٣٣.(٤) سورة هود: ١١/ ٩٨.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.