مَا قَتَلَنِي أَحَدٌ وَلَكِنَّ اللَّهَ تَوَفَّانِي، قَالُوا: يَا مُوسَى مَا نَعْصِي بَعْدُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَجَعَلُوا يَتَرَدَّوْنَ يَمِينًا وَشِمَالًا
انْتَهَى، وَلَفْظُ لِمِيقاتِنا فِي هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ عَنْ تَوْقِيتٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقَالَ ابْنُ السَّائِبِ: كَانَ مُوسَى لَا يَأْتِي رَبَّهُ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا الْمِيقَاتَ غَيْرُ مِيقَاتِ مُوسَى الَّذِي قِيلَ فِيهِ: وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ لِظَاهِرِ تَغَايُرِ الْقِصَّتَيْنِ وَمَا جَرَى فِيهِمَا إِذْ فِي تِلْكَ أَنَّ مُوسَى كَلَّمَهُ اللَّهُ وَسَأَلَهُ الرُّؤْيَةَ وَأَحَالَهُ فِي الرُّؤْيَةِ عَلَى تَجَلِّيهِ لِلْجَبَلِ وَثُبُوتِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ وَصَارَ دَكًّا وَصَعِقَ مُوسَى وَفِي هَذِهِ اخْتِيرَ السَبْعُونَ لِمِيقَاتِ اللَّهِ وَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ وَلَمْ تَأْخُذْ مُوسَى، وَلِلْفَصْلِ الْكَثِيرِ الَّذِي بَيْنَ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ لَوْ كَانَتْ قِصَّةً وَاحِدَةً.
فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ. سَبَبُ الرَّجْفَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ مُرَتَّبٌ عَلَى تَفْسِيرِ الْمِيقَاتِ فَهَلِ الرَّجْفَةُ عُقُوبَةٌ عَلَى سُكُوتِهِمْ وَإِغْضَائِهِمْ عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ أَوْ عُقُوبَةٌ عَلَى سُؤَالِهِمُ الرُّؤْيَةَ أَوْ عُقُوبَةٌ لِتَشَطُّطِهِمْ فِي الدُّعَاءِ الْمَذْكُورِ أَوْ سَبَبُهُ سَمَاعُ كَلَامِ هَارُونَ وَهُوَ مَيِّتٌ أَقْوَالٌ. وَقَالَ السُّدِّيُّ: عُقُوبَةٌ عَلَى عِبَادَةٍ هَؤُلَاءِ السَبْعِينَ بِاخْتِيَارِهِمُ الْعِجْلَ وَخَفِيَ ذَلِكَ عَنْ مُوسَى فِي وَقْتِ الِاخْتِيَارِ حَتَّى أَعْلَمَهُ اللَّهُ وَأَخْذُ الرَّجْفَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ نَشَأَ عَنْهُ الْمَوْتُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ نَشَأَ عَنْهُ الْغَشْيُ وَهُمَا قَوْلَانِ،
وَقَالَ السُّدِّيُّ قَالَ مُوسَى: كَيْفَ أَرْجِعُ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَقَدْ أُهْلِكَتْ خِيَارُهُمْ فَمَاذَا أَقُولُ وَكَيْفَ يَأْمَنُونَنِي عَلَى أَحَدٍ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ
،
وَقِيلَ أَخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ حَتَّى كَادَتْ تُبَيِّنُ مَفَاصِلَهُمْ وَتَنْتَقِضُ ظُهُورَهُمْ وَخَافَ مُوسَى الْمَوْتَ فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكَى وَدَعَا فَكُشِفَ عَنْهُمْ
، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَهَذَا تَمَنٍّ مِنْهُ لِلْإِهْلَاكِ قَبْلَ أَنْ يَرَى مَا رَأَى مِنْ تَبِعَةِ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ كما يقال النَّادِمُ عَلَى الْأَمْرِ إِذَا رَأَى سُوءَ الْمَغَبَّةِ لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَهْلَكَنِي قَبْلَ هَذَا انْتَهَى. فَمَعْنَى قَوْلِهِ مِنْ قَبْلُ سُؤَالِ الرُّؤْيَةِ وَهَذَا بِنَاءٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمِيقَاتَ هُوَ مِيقَاتُ الْمُنَاجَاةِ وَطَلَبُ الرُّؤْيَةِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَظْهَرَ خِلَافُهُ،
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ لَمَّا رَأَى مُوسَى ذَلِكَ أَسِفَ عَلَيْهِمْ وَعَلِمَ أَنَّ أَمْرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَتَشَعَّبُ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِالْقَوْمِ فَجَعَلَ يَسْتَعْطِفُ رَبَّهُ أَنْ يَا رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ قَبْلَ هَذِهِ الْحَالِ وَإِيَّايَ لَكَانَ أَخَفَّ عَلَيَّ وَهَذَا وَقْتُ هَلَاكِهِمْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ عَلَيَّ مُؤْذٍ لِي
انْتَهَى، وَمَفْعُولُ شِئْتَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَوْ شِئْتَ إهلاكنا وجواب لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ وَأَتَى دُونَ لَامٍ وَهُوَ فَصِيحٌ لَكِنَّهُ بِاللَّامِ أَكْثَرُ كَمَا قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ «١» وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ «٢» ، وَلَا يُحْفَظُ جاء بغير
(١) سورة الكهف: ١٨/ ٧٧.(٢) سورة يونس: ١٠/ ٨٣.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.