إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ عُثْمَانَ، وَلَا يَدُلُّ كَتْبُهُ بِنُونٍ وَاحِدَةٍ عَلَى حَذْفِ النُّونِ مِنَ اللَّفْظِ، وَلَا عَلَى إِدْغَامِهَا فِي الظَّاءِ، لِأَنَّ إِدْغَامَ النُّونِ فِي الظَّاءِ لَا يَجُوزُ، وَمُسَوِّغُ حَذْفِهَا أَنَّهُ لَا أَثَرَ لَهَا فِي الْأَنْفِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُحْمَلَ قِرَاءَةُ يَحْيَى عَلَى أَنَّهُ بَالَغَ فِي إِخْفَاءِ الْغُنَّةِ، فَتَوَهَّمُ السَّامِعُ أَنَّهُ إِدْغَامٌ، فَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَيْهِ. وكيف معموله لتعملون، وَالْجُمْلَةُ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ لِنَنْظُرَ، لِأَنَّهَا مُعَلَّقَةٌ. وَجَازَ التَّعْلِيقُ فِي نَظَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، لِأَنَّهَا وَصْلَةُ فِعْلِ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ الْعِلْمُ.
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحى إِلَيَّ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْكَلْبِيُّ: نَزَلَتْ فِي الْمُسْتَهْزِئِينَ بِالْقُرْآنِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا فِيهِ مَا نَسْأَلُكَ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ: نَزَلَتْ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ مُشْرِكِي مَكَّةَ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: فِي خَمْسَةِ نَفَرٍ: عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ، وَالْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَمِكْرَزِ بْنِ حَفْصٍ، وَعَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيِّ، وَالْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ.
وقيل: الخمسة الوليد، والعاص، وَالْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، وَالْأَسْوَدُ بن عبد يغوث، والحرث بْنُ حَنْظَلَةَ، وَرُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَاظَهُمْ مَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ ذَمِّ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْوَعِيدِ لِلْمُشْرِكِينَ فَقَالُوا:
ائْتِ بِقُرْآنٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ مَا يَغِيظُنَا مِنْ ذَلِكَ نَتَّبِعْكَ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: نَزَلَتْ فِي قُرَيْشٍ لِأَنَّ بَعْضَ كُفَّارِ قُرَيْشٍ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ عَلَى مَعْنَى: سَاهِلْنَا يَا مُحَمَّدُ، وَاجْعَلْ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي مِنْ قِبَلِكَ هُوَ بِاخْتِيَارِنَا، وَأَحِلَّ مَا حَرَّمَتْهُ، وَحَرِّمْ مَا أَحْلَلْتَهُ، لِيَكُونَ أَمْرُنَا حِينَئِذٍ وَاحِدًا وَكَلِمَتُنَا مُتَّصِلَةً انْتَهَى. وَنَبَّهَ تَعَالَى عَلَى الْوَصْفِ الْحَامِلِ لَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَهُوَ كَوْنُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ وَالْجَزَاءِ عَلَى مَا اقْتَرَفُوهُ، وَالْمَعْنَى: وَإِذَا تَسْرِدُ عَلَيْهِمْ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَاضِحَاتٍ نَيِّرَاتٍ لَا لَبْسَ فِيهَا قَالُوا كَيْتَ وَكَيْتَ، وَأُضِيفَتِ الْآيَاتِ إِلَيْهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا كَلَامُهُ جَلَّ وَعَزَّ، وَالتَّبْدِيلُ يَكُونُ فِي الذَّاتِ بِأَنْ يُجْعَلَ بَدَلُ ذات ذات أُخْرَى، وَيَكُونُ فِي الصِّفَةِ.
وَالتَّبْدِيلُ هُنَا هُوَ فِي الصِّفَةِ، وَهُوَ أَنْ يُزَالَ بَعْضُ نَظْمِهِ بِأَنْ يُجْعَلَ مَكَانَ آيَةِ الْعَذَابِ آيَةَ الرَّحْمَةِ، وَلَا يُرَادُ بِالتَّبْدِيلِ هُنَا أَنْ يَكُونَ فِي الذَّاتِ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ جَعْلُ الشَّيْءِ الْمُقْتَضِي لِلتَّغَايُرِ هُوَ الشَّيْءُ بِعَيْنِهِ، لِأَنَّ التَّبْدِيلَ فِي الذَّاتِ هُوَ الْإِتْيَانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا. وَلَمَّا كَانَ الْإِتْيَانُ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا غَيْرَ مَقْدُورٍ لِلْإِنْسَانِ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى نَفْيِهِ وَنَفْيِ مَا هُوَ مَقْدُورٌ لِلْإِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.