تَعَالَى. وَالْمُجْرِمُونَ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ فِي قَوْلِهِ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ. وَنَبَّهَ عَلَى الْوَصْفِ الْمُوجِبِ لِتَرْكِ الِاسْتِعْجَالِ وَهُوَ الْإِجْرَامُ، لِأَنَّ مِنْ حَقِّ الْمُجْرِمِ أَنْ يَخَافَ التَّعْذِيبَ عَلَى إِجْرَامِهِ، وَيَهْلَكَ فَزَعًا مِنْ مَجِيئِهِ وَإِنْ أَبْطَأَ، فَكَيْفَ يَسْتَعْجِلُهُ؟ وَثُمَّ حَرْفُ عَطْفٍ وَتَقَدَّمَتْ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَتْ عَلَى الْوَاوِ وَالْفَاءِ فِي: أَفَلَمْ يَسِيرُوا «١» وَفِي أَوَلَمْ يَسِيرُوا «٢» وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ. وَخِلَافُ الزَّمَخْشَرِيِّ لِلْجَمَاعَةِ فِي دَعْوَاهُ أَنَّ بَيْنَ الْهَمْزَةِ وَحَرْفِ الْعَطْفِ جُمْلَةً مَحْذُوفَةً عُطِفَتْ عَلَيْهَا الْجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ حَرْفِ الْعَطْفِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ فِي قَوْلِهِ: أَثُمَّ بِضَمِّ الثَّاءِ، أَنَّ مَعْنَاهُ أَهُنَالِكَ قَالَ: وَلَيْسَتْ ثُمَّ هَذِهِ الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى الْعَطْفِ انْتَهَى. وَمَا قَالَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ أَنَّ ثُمَّ هُنَا لَيْسَتْ لِلْعَطْفِ دَعْوَى، وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّ الْمَعْنَى أَهُنَالِكَ، فَالَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَفْسِيرُ مَعْنًى، لَا أَنَّ ثُمَّ الْمَضْمُومَةَ الثَّاءِ مَعْنَاهَا مَعْنَى هُنَالِكَ.
وَقَرَأَ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: أَثَمَّ بِفَتْحِ الثَّاءِ، وَهَذَا يُنَاسِبُهُ تَفْسِيرُ الطَّبَرِيِّ أَهُنَالِكَ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ آلْآنَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ بِالْمَدِّ، وَكَذَا آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ. وَقَرَأَ طَلْحَةُ وَالْأَعْرَجُ: بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ بِغَيْرِ مَدٍّ، وَهُوَ عَلَى إِضْمَارِ الْقَوْلِ أَيْ: قِيلَ لَهُمْ إِذَا آمَنُوا بَعْدَ وُقُوعِ الْعَذَابِ آلْآنَ آمَنْتُمْ بِهِ، فَالنَّاصِبُ لِقَوْلِهِ: آلْآنَ هُوَ آمَنْتُمْ بِهِ، وَهُوَ مَحْذُوفٌ. قِيلَ: تَقُولُ لَهُمْ ذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ. وَقِيلَ: اللَّهُ، وَالِاسْتِفْهَامُ عَلَى طَرِيقِ التَّوْبِيخِ. وَفِي كِتَابِ اللَّوَامِحِ عِيسَى الْبَصْرِيُّ وَطَلْحَةُ: آمَنْتُمْ بِهِ الْآنَ بِوَصْلِ الْهَمْزَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِفْهَامٍ، بَلْ عَلَى الْخَبَرِ، فَيَكُونُ نَصْبُهُ عَلَى الظَّرْفِ مِنْ آمَنْتُمْ بِهِ الْمَذْكُورِ. وَأَمَّا فِي الْعَامَّةِ فَنَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ آمَنْتُمْ بِهِ الْمَذْكُورُ، لِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ قَدْ أَخَذَ صَدْرَ الْكَلَامِ، فَيَمْنَعُ مَا قَبْلُهُ أَنْ يَعْمَلَ فِيمَا بَعْدَهُ انْتَهَى.
وَقَدْ كُنْتُمْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ يَعْنِي تُكَذِّبُونَ، لِأَنَّ اسْتِعْجَالَكُمْ كَانَ عَلَى جِهَةِ التَّكْذِيبِ وَالْإِنْكَارِ. وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: تَسْتَعْجِلُونَ مُكَذِّبِينَ بِهِ.
ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ: أَيْ تَقُولُ لَهُمْ خَزَنَةُ جَهَنَّمَ هَذَا الْكَلَامَ. وَالظُّلْمُ ظُلْمُ الْكُفْرِ لَا ظُلْمُ الْمَعْصِيَةِ، لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ عُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَخْلُدُ فِيهَا. وَثُمَّ قِيلَ عَطْفٌ عَلَى الْمُضْمَرِ قَبْلَ آلْآنَ. وَمَنْ قَرَأَ بِوَصْلِ أَلَّفِ الْآنَ فَهُوَ اسْتِئْنَافُ إِخْبَارٍ عَمَّا يُقَالُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ تُجْزَوْنَ تَوْبِيخٌ لَهُمْ وَتَوْضِيحٌ أَنَّ الْجَزَاءَ هُوَ عَلَى كَسْبِ العبد.
(١) سورة يوسف: ١٢/ ١٠٩. وسورة الحج: ٢٢/ ٤٦.(٢) سورة الروم: ٣٠/ ٩.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.