اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالضَّحَّاكُ: يَمْحُو مِنْ دِيوَانِ الْحَفَظَةِ مَا لَيْسَ بِحَسَنَةٍ وَلَا سَيِّئَةٍ، لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ بِكَتْبِ كُلِّ قَوْلٍ وَفِعْلٍ، وَيُثْبِتُ غَيْرَهُ. وَقِيلَ: يَمْحُو كُفْرَ التَّائِبِينَ وَمَعَاصِيَهُمْ بِالتَّوْبَةِ، وَيُثْبِتُ إِيمَانَهُمْ وَطَاعَتَهُمْ. وَقِيلَ: يَمْحُو بَعْضَ الْخَلَائِقِ وَيُثْبِتُ بَعْضًا مِنَ الْأَنَاسِيِّ، وَسَائِرِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَصِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ، يَنْسَخُ مَا يَسْتَصْوِبُ نَسْخَهُ، وَيُثْبِتُ بِهِ لَهُ مَا يَرَى الْمَصْلَحَةَ في إثباته، أَوْ يَتْرُكُهُ غَيْرَ مَنْسُوخٍ، وَالْكَلَامُ فِي نَحْوِ هَذَا وَاسِعُ الْمَجَالِ انْتَهَى. وَهُوَ وَقَوْلُ: قَتَادَةَ، وَابْنُ جُبَيْرٍ، وَابْنُ زَيْدٍ قَالُوا: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الشَّرَائِعِ وَالْفَرَائِضِ فَيَنْسَخُهُ وَيُبَدِّلُهُ، وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ فَلَا يَنْسَخُهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يُحْكِمُ اللَّهُ أَمْرَ السَّنَةِ فِي رَمَضَانَ فَيَمْحُو مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ، إِلَّا الْحَيَاةَ وَالْمَوْتَ وَالشَّقَاوَةَ وَالسَّعَادَةَ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: يَمْحُو مِنَ الرِّزْقِ وَيَزِيدُ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ أَيْضًا: يَغْفِرُ مَا يَشَاءُ مِنْ ذُنُوبِ عِبَادِهِ، وَيَتْرُكُ مَا يَشَاءُ فلا يغفره. وَقَالَ عِكْرِمَةُ: يَمْحُو يَعْنِي بِالتَّوْبَةِ جَمِيعَ الذُّنُوبِ، وَيُثْبِتُ بَدَلَ الذُّنُوبِ حَسَنَاتٍ. قَالَ تَعَالَى: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ «١» وَقِيلَ: يُنْسِي الْحَفَظَةَ مِنَ الذُّنُوبِ وَلَا يَنْسَى. وَقَالَ الْحَسَنُ: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ أَجَلَهُ، وَيُثْبِتُ مَنْ يَأْتِي أَجَلَهُ. وَقَالَ السُّدِّيُّ:
يَمْحُو اللَّهُ يَعْنِي الْقَمَرَ، وَيُثْبِتُ يَعْنِي الشَّمْسَ بَيَانُهُ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً «٢» الْآيَةَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ لِلَّهِ لَوْحًا مَحْفُوظًا وَذَكَرَ وَصْفَهُ فِي كِتَابِ التَّحْبِيرِ، ثُمَّ قَالَ: لِلَّهِ تَعَالَى فِيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ نَظْرَةً، يُثْبِتُ مَا يَشَاءُ وَيَمْحُو مَا يَشَاءُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ:
هَذَا فِي الْأَرْوَاحِ حَالَةَ النَّوْمِ يَقْبِضُهَا عِنْدَ النَّوْمِ إِذَا أَرَادَ مَوْتَهُ فَجْأَةً أَمْسَكَهُ، وَمَنْ أَرَادَ بَقَاءَهُ أَثْبَتَهُ وَرَدَّهُ إِلَى صَاحِبِهِ، بَيَانُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها «٣» الْآيَةَ.
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنَ الْقُرُونِ
لِقَوْلِهِ: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ «٤» وَيُثْبِتُ مَا يَشَاءُ مِنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ «٥» فَيَمْحُو قَرْنًا وَيُثْبِتُ قَرْنًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَمْحُو يُمِيتُ الرَّجُلَ عَلَى ضَلَالَةٍ وَقَدْ عَمِلَ بِالطَّاعَةِ الزَّمَنَ الطَّوِيلَ، يَخْتِمُهُ بِالْمَعْصِيَةِ وَيُثْبِتُ عَكْسَهُ. وَقِيلَ: يَمْحُو الدُّنْيَا وَيُثْبِتُ الْآخِرَةَ.
وَفِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ: «أَنَّهُ تَعَالَى يَفْتَحُ الذِّكْرَ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَقِينَ مِنَ الليل فينظر ما
(١) سورة الفرقان: ٢٥/ ٧.(٢) سورة الإسراء: ١٧/ ١٢.(٣) سورة الزمر: ٣٩/ ٤٢.(٤) سورة يس: ٣٦/ ٣١.(٥) سورة المؤمنون: ٢٣/ ٤٢.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.