(قُلْتُ) : الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ إِنْكَارَهُمْ مُسْتَبْعَدٌ بَعْدَ حُصُولِ الْمَعْرِفَةِ، لِأَنَّ حَقَّ مَنْ عَرَفَ النِّعْمَةَ أَنْ يَعْتَرِفَ لَا أَنْ يُنْكِرَ.
وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ وَإِذا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذابَ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ وَإِذا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكاءَهُمْ قالُوا رَبَّنا هؤُلاءِ شُرَكاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكاذِبُونَ وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَفْتَرُونَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْناهُمْ عَذاباً فَوْقَ الْعَذابِ بِما كانُوا يُفْسِدُونَ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ: لَمَّا ذَكَرَ إِنْكَارَهُمْ لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، ذَكَرَ حَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُ فِيهِ الْإِنْكَارُ عَلَى سَبِيلِ الْوَعِيدِ لَهُمْ بِذَلِكَ الْيَوْمِ. وَانْتَصَبَ يَوْمَ بِإِضْمَارِ اذْكُرْ قَالَهُ:
الْحَوْفِيُّ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ، وَابْنُ عَطِيَّةَ، وَأَبُو الْبَقَاءِ. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أَوْ يَوْمَ نَبْعَثُ وَقَعُوا فِيمَا وَقَعُوا فِيهِ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى ظَرْفٍ مَحْذُوفٍ الْعَامِلُ فِيهِ: ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا، أَيْ يُنْكِرُونَهَا الْيَوْمَ. وَيَوْمَ نَبْعَثُ أَيْ: يُنْكِرُونَ كُفْرَهُمْ، فَيُكَذِّبُهُمُ الشَّهِيدُ، وَالشَّهِيدُ نَبِيُّ تِلْكَ الْأُمَّةِ يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ بِإِيمَانِهِمْ وَبِكُفْرِهِمْ، وَمُتَعَلِّقُ الْإِذْنِ مَحْذُوفٌ. فَقِيلَ: فِي الرُّجُوعِ إِلَى دَارِ الدُّنْيَا. وَقِيلَ: فِي الْكَلَامِ وَالِاعْتِذَارِ كَمَا قَالَ: هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ. وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ «١» فَيَعْتَذِرُونَ أَيْ بَعْدَ شَهَادَةِ أَنْبِيَائِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَقَبْلَ ذَلِكَ تُجَادِلُ كُلُّ أُمَّةٍ عَنْ نَفْسِهِ. وَجَاءَ كَلَامُهُمْ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهَا مَوَاطِنُ يَتَكَلَّمُونَ فِي بَعْضِهَا وَلَا يَنْطِقُونَ فِي بَعْضِهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ أَيْ: مُزَالٌ عَنْهُمُ الْعَتَبُ. وَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَاهُ لَا يَسْأَلُونَ أَنْ يَرْجِعُوا عَنْ مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا، فَهَذَا اسْتِعْتَابٌ مَعْنَاهُ طَلَبُ عُتْبَاهُمْ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَنْ قَالَ: وَلَا هُمْ يُسْتَرْضَوْنَ أَيْ:
لَا يُقَالُ لَهُمُ ارْضُوا رَبَّكُمْ، لِأَنَّ الْآخِرَةَ لَيْسَتْ بِدَارِ عَمَلٍ قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ:
مَعْنَاهُ يُعْطَوْنَ الرُّجُوعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيَقَعُ مِنْهُمْ تَوْبَةٌ وَعَمَلٌ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإِنْ قُلْتَ) : فَمَا مَعْنَى ثُمَّ هَذِهِ؟ (قُلْتُ) : مَعْنَاهَا أَنَّهُمْ يُمْنَوْنَ بَعْدَ شَهَادَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَا هُوَ أَطَمُّ مِنْهُ، وَأَنَّهُمْ يُمْنَعُونَ الْكَلَامَ فَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فِي إِلْقَاءِ مَعْذِرَةٍ، وَلَا إِدْلَاءٍ بِحُجَّةٍ انْتَهَى. وَلَمَّا كَانَتْ حَالَةُ الْعَذَابِ فِي الدُّنْيَا مُخَالِفَةً لِحَالِ الْآخِرَةِ إِذْ مَنْ رَأَى الْعَذَابَ فِي الدُّنْيَا رَجَا أَنْ يُؤَخَّرَ عَنْهُ، وَإِنْ وَقْعَ فِيهِ أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُ، أَخْبَرَ تَعَالَى أن عذاب
(١) سورة المرسلات: ٧٧/ ٣٥- ٣٦.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.