تَقْدِيرِ أَنَّ تُثِيرُ وَمَا بَعْدَهَا الْخَبَرُ، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عَائِدٌ عَلَى الْمَوْصُوفِ الَّذِي هُوَ بَقَرَةٌ، إِذِ الْعَائِدُ الَّذِي فِي تُثِيرُ وَفِي تَسْقِي ضَمِيرُ اسْمِ لَا، وَلَا يُتَخَيَّلُ أَنَّ قَوْلَهُ: لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّ تُثِيرُ، وَمَا بَعْدَهُ خَبَرٌ يَكُونُ دَالًّا عَلَى نَفْيِ ذَلُولٌ مَعَ الْخَبَرِ عَنِ الْوُجُودِ، لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَكُونُ غَيْرَ مُطَابِقٍ لِمَا عَلَيْهِ الْوُجُودُ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى نَفْيُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَرْضِهِمْ وَإِلَى حَرْثِهَا وَالْأَلِفُ وَاللَّامُ لِلْعَهْدِ. فَكَمَا يُتَعَقَّلُ انْتِفَاءُ ذَلُولٌ مَعَ اعْتِقَادِ كَوْنِ تُثِيرُ وَمَا بَعْدَهُ صِفَةً، لِأَنَّكَ قَيَّدْتَ الْخَبَرَ بِتَقْدِيرِكَهُ حَيْثُ هِيَ، فَصَلُحَ هَذَا النَّفْيُ، كَذَلِكَ يُتَعَقَّلُ انْتِفَاءُ ذَلُولٌ مَعَ الْخَبَرِ عَنْهُ، حَيْثُ اعْتُقِدَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْخَبَرَيْنِ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ الْأَرْضُ وَالْحَرْثُ، وَكَمَا تُقَدِّرُ مَا مِنْ ذَلُولٍ مُثِيرَةٍ وَلَا سَاقِيَةٍ حَيْثُ تِلْكَ الْبَقَرَةُ، كَذَلِكَ تُقَدَّرُ مَا مِنْ ذَلُولٍ تُثِيرُ أَرْضَهُمْ وَلَا تَسْقِي حَرْثَهُمْ. فَكِلَاهُمَا نَفْيٌ قَدْ تَخَصَّصَ، إِمَّا بِالْخَبَرِ الْمَحْذُوفِ، وَإِمَّا بِتَعَلُّقِ الْخَبَرِ الْمُثْبِتِ.
وَقَدِ انْتَفَى وَصْفُ البقرة بذلول وَمَا بَعْدَهَا، إِمَّا بِكَوْنِ الْجُمْلَةِ صِفَةً وَالرَّابِطُ الْخَبَرُ الْمَحْذُوفُ، وَإِمَّا بِكَوْنِ الْجُمْلَةِ اعْتِرَاضِيَّةً بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، إِذْ لَمْ تَشْتَمِلْ عَلَى رَابِطٍ يَرْبُطُهَا بِمَا قَبْلَهَا، إِذَا جَعَلْتَ تُثِيرُ خَبَرًا لَا يُقَالَ إِنَّ الرَّابِطَ هُنَا هُوَ الْعُمُومُ، إِذِ الْبَقَرَةُ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِ اسْمِ الْجِنْسِ، لِأَنَّ الرَّابِطَ بِالْعُمُومِ إِنَّمَا قِيلَ بِهِ فِي نَحْوِ: زَيْدٌ نِعْمَ الرَّجُلُ، عَلَى خِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الْأَصَحَّ خِلَافُهُ. وَبَابُ نِعْمَ بَابٌ شَاذٌّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، لَوْ قُلْتَ زَيْدٌ لَا رَجُلٌ فِي الدَّارِ، وَمَرَرْتُ بِرَجُلٍ لا عاقل في الدار، وَأَنْتَ تَعْنِي الْخَبَرَ وَالصِّفَةَ وَتَجْعَلُ الرَّابِطَ الْعُمُومَ، لِأَنَّكَ إِذَا نَفَيْتَ لَا رَجُلَ فِي الدَّارِ، انْتَفَى زَيْدٌ فِيهَا، وَإِذَا قُلْتَ: لَا عَاقِلَ فِي الدَّارِ، انْتَفَى الْعَقْلُ عَنِ الْمُرُورِ بِهِ، لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، فَلِذَلِكَ اخْتَرْنَا فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ تُثِيرُ وتسقي خبرا للا ذَلُولٌ، أَنْ تَكُونَ الْجُمْلَةُ اعْتِرَاضِيَّةً بَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، وَتَدُلَّ عَلَى نَفْيِ الْإِثَارَةِ وَنَفْيِ السَّقْيِ، مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، لَا مِنْ حَيْثُ كَوْنُ الْجُمْلَتَيْنِ صِفَةً لِلْبَقَرَةِ. وَأَمَّا تَمْثِيلُ الزَّمَخْشَرِيِّ بِذَلِكَ، بِمَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَا بَخِيلَ وَلَا جَبَانَ فِيهِمْ، أَوْ حَيْثُ هُمْ، فَتَمْثِيلٌ صَحِيحٌ، لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْوَاقِعَةَ صِفَةً لِقَوْمٍ لَيْسَ الرَّابِطُ فِيهَا الْعُمُومَ، إِنَّمَا الرَّابِطُ هَذَا الضَّمِيرُ، وَكَذَلِكَ مَا قَرَّرَهُ هُوَ الرَّابِطُ فِيهِ الضَّمِيرُ، إِذْ قَدَّرَهُ لَا ذَلُولَ هُنَاكَ، أَيْ حَيْثُ هِيَ، فَهَذَا الضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْبَقَرَةِ، وَحَصَلَ بِهِ الرَّبْطُ كَمَا حَصَلَ فِي تَمْثِيلِهِ بِقَوْلِهِ: فِيهِمْ، أَوْ: حَيْثُ هُمْ، فَتَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الَّذِي قَرَّرْنَاهُ أن قوله تَعَالَى: لَا ذَلُولٌ فِي قِرَاءَةِ السُّلَمِيِّ يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً، وَذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ حَذْفِ خَبَرٍ، وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ مُعْتَرِضَةً، وَذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ خَبَرَ لَا تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ. وَكَانَتْ قِرَاءَةُ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.