وَمِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ
- قَوْلُهُ تَعَالَى: {مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرُ}.
قَرَأَ عَاصِمٌ وَحْدَهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ «لَدُنْهِي» بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَإِشْمَامِ الضَّمِّ، وَكَسْرِ النُّونِ وَالْهَاءِ وَإِيصَالِهَا بِيَاءٍ.
وَقَرَأَ الْبَاقُونَ «لَدُنْهُ» بِضَمِّ الدَّالِ وَجَزْمِ النُّونِ وَضَمِّ الْهَاءِ مِنْ غَيْرِ وَاوٍ، إِلَّا ابْنَ كَثِيرٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَصِلُ الْهَاءَ بِالْوَاوِ «مِنْ لَدُنْهُو» وَذَلِكَ أَنَّ «لَدُنْ» مَعْنَاهُ «عِنْدَ» وَهُوَ اسْمٌ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ}. فَالنُّونُ سَاكِنَةٌ فِي كُلٍّ، وَالْهَاءُ إِذَا أَتَتْ بَعْدَ حَرْفٍ سَاكِنٍ لَمْ يَجُزْ فِيهَا إِلَّا الضَّمُّ نَحْوَ مِنْهُ، وَالْأَصْلُ مِنْهُو وَلَدُنْهُو كَقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ غَيْرَ أَنَّهُمْ حَذَفُوُا الْوَاوَ اخْتِصَارًا.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ عَاصِمٍ فَإِنَّهُ أَسْكَنَ الدَّالَ اسْتِثْقَالًا لِلضَّمَّةِ كَمَا يُقَالُ: فِي كَرُمَ زَيْدٌ كَرْمَ زَيْدٍ، فَلَمَّا أَسْكَنَ الدَّالَ الْتَقَى سَاكِنَانِ النُّونُ وَالدَّالُ، وَكَسَرُوُا النُّونَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَكَسَرُوُا الْهَاءَ لِمُجَاوَرَةِ حَرْفٍ مَكْسُورٍ، وَوَصَلَهَا بِيَاءٍ كَمَا يُقَالُ: مَرَرْتُ بِهُو يَا فَتًى.
وَمَا أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا احْتَجَّ لِهَذِهِ الْقِرَاءَةِ، فَاعْرَفْهُ فَإِنَّهُ حَسَنٌ، وَلَوْ فَتَحَ النُّونَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لَجَازَ بَعْدَ أَنْ أَسْكَنَ الدَّالَ كَمَا قَالَ:
عَجِبْتُ لِمَوْلُودٍ وليس له أب ... ومن ولد لم يلده أَبَوَانِ
يَعْنِي: آدَمَ وَعِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ.
وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذَا الْحَرْفَ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ عَاصِمًا كَسَرَ النُّونَ عَلَامَةً لِلْجَرِّ، لِأَنَّ «لَدُنْ» لَا يُعْرَبُ، وَ «مِنْ لَدُنْهِ» فِي صِلَةِ قَوْلِهِ: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا} أَيْ: لِيُنْذِرَكُمْ بِالْبَأْسِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} أَيْ: يُخَوِّفُكُمْ بَأَوْلِيَائِهِ وَ {شَدِيدًا} نَعْتٌ لِلْبَأْسِ. {مِنْ لَدُنْهُ} أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ، وَ {يُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ} نُصِبَ بِلَامٍ «كَيْ» نَسَقٌ عَلَى «لِيُنْذِرَ».
- قوله تَعَالَى: {تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ}.
قَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ «تَزْوَرُّ» مِثْلَ تَحْمَرُّ وَتَصْفَرُّ، وَمَعْنَاهُ: تَعْدِلُ وَتَمِيلُ، قَالَ عَنْتَرَةُ:
فَازْوَرَّ مَنْ وَقْعِ الْقَنَا بِلِبَانِهِ ... وَشَكَا إِلَيَّ بَعَبْرَةٍ وَتَحَمْحُمِ
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.