ثُمَّ نَظَرَ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَسْتَقْبِلُ الْكَعْبَةَ، وَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، يَا لِحُسْنِهِمَا وَيَا لِتَمَامِهِمَا … ثُمَّ رَآهُ يُقْبِلُ عَلَى زُعَمَاءِ الْقَوْمِ وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي أَطَلْتُ الصَّلَاةَ جَزَعًا (١) مِنَ الْمَوْتِ، لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الصَّلَاةِ …
ثُمَّ شَهِدَ قَوْمَهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ وَهُمْ يُمَثِّلُونَ (٢) بِحُبَيْبٍ حَيًّا، فَيَقْطَعُونَ مِنْ جَسَدِهِ الْقِطْعَةَ تِلْوَ (٣) الْقِطْعَةِ وَهُمْ يَقُولُونَ لَهُ: أَتُحِبُّ أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدٌ مَكَانَكَ وَأَنْتَ نَاجٍ؟ (٤).
فَيَقُولُ - وَالدِّمَاءُ تَنْزِفُ مِنْهُ -: وَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ آمِنًا وَادِعًا فِي أَهْلِي وَوَلَدِي، وَأَنَّ مُحَمَّدًا يُوخَرُ بِشَوْكَةٍ … فَيُلَوِّحُ النَّاسُ بِأَيْدِيهِمْ فِي الْفَضَاءِ، وَيَتَعَالَى صِيَاحُهُمْ: أَنِ اقْتُلُوهُ … اقْتُلُوهُ …
ثُمَّ أَبْصَرَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ خُبَيْبًا يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ مِنْ فَوْقِ خَشَبَةِ الصَّلْبِ وَيَقُولُ:
"اللَّهُمَّ أَحْصِهِمْ (٥) عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بَدَدًا (٦) وَلَا تُغَادِرُ مِنْهُمْ أَحَدًا".
ثُمَّ لَفَظَ أَنْفَاسَهُ الْأَخِيرَةَ، وَبِهِ مَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ إِحْصَاءَهُ مِنْ ضَرَبَاتِ السُّيُوفِ وَطَعَنَاتِ الرِّمَاحِ.
* * *
عَادَتْ قُرَيْشُ إِلَى مَكَّةَ، وَنَسِيَتْ فِي زَحْمَةِ الْأَحْدَاثِ الْحِسَامِ خُبَيْبًا وَمَصْرَعَهُ. لَكِنَّ الْفَتَى الْيَافِعَ (٧) سَعِيدَ بْنَ عَامِرٍ الْجُمَحِيَّ لَمْ يَغِبْ خُبَيْبٌ عَنْ خَاطِرِهِ لَحْظَةً.
(١) جزعًا: خوفًا وهلعًا.
(٢) التمثيل به: تقطيع أجزاء من بدنه.
(٣) تلو القطعة: بعد القطعة.
(٤) ويقال أن هذا السؤال قد وجه إلى زيد بن الدّثنة، انظر شرح المواهب للعلامة الزرقاني: ٢/ ٧٢، وشرح بهجة المحافل وبغية الأماثل: ١/ ٢٢٠.
(٥) أحصهم عددًا: انتقم منهم واحدا بعد واحد ولا تترك منهم أحدًا.
(٦) واقتلهم بددًا: اقتلهم قتل إبادة.
(٧) اليافع: الذي قارب البلوغ.