وقد خالفه الثلاثة المذكورون، وهم الثقات الحفاظ، ورواياتهم المذكورة وإن اختلفت ألفاظها؛ تجتمع على معنى واحد، وهو المفسر في رواية ابن حنبل منهم، وهو النَّهي عن الاعتماد على اليد في حال الجلوس.
فأما رواية محمد بن عبد الملك هذا فمقتضاها النهي عن الاستعانة باليدين في حين النُّهوض (١)، وذلك شيء لا يُحتمل من مثله، فإن حاله لا تُعرف، ولو لم يخالفه غيره.
فإن قيل: فإنّ أبا داود لا يروي إلا عن ثقة.
قيل: هذا لم نَجِدْهُ عنه نصًا، وإنما وجدناه عنه توقّيًا في الأخْذِ يُوهِم ذلك، مثل ما ذكر أبو أحمد (٢) عنه، من امتناعه من الرواية عن أبي الأشعث أحمدَ بنِ المقدام العجلي، شيخ البخاري، لما احتال بحيلة، كان فيها قطع جُلُوسِ المُجَانِ (٣) الذين كانوا يَعْبَثُون بالمارَّةِ، بأن يَصُرُّوا صُوَرَ (٤) الدَّراهم، ويَبثُوها في الطريق، فإذا تطأطأ لها أحدٌ أخْجَلُوهُ (٥)، فعرف أبو الأشعث بعض المارة، فقال لهم: صُرُّوا صُرَرًا من زجاج، فإذا صاحوا بكم، وضعتُم صُوَرَ الزُّجاج بدلًا من صُرَرِهم.
فامتنع أبو داود من الرواية عنه لما كان من تسامحه في ذلك، فَعُدَّ هذا منه غاية في انتقاء الرجال والتوقي في الأخْذِ، وهذا غير كافٍ في المقصود، ولعلنا نعثر بعد [من أمر محمد](٦) بن عبد الملكِ هذا على مزيد إن شاء الله تعالى.
(١) ينظر: ما تقدم في تخريج الحديث حول خطأ محمد بن عبد الملك في روايته. (٢) ابن عدي في الكامل في ضعفاء الرجال (١/ ٢٩٤) ترجمة أحمد بن المقدام، أبي الأشعث العجلي البصري، برقم: (٢٠). (٣) المُجّان جمع ماجن، والماجنُ عند العرب: الذي يرتكب المقابح المردية، والفضائح المخزية، ويخلط الجِدَّ بالهَزْل. لسان العرب (١٣/ ٤٠٠)، مادة (مجن). (٤) قوله: «يَصُرُّوا صُوَرَ دراهم»؛ يعني: يَشُدُّونها ويُغلِّفونها، يقال: صَرَرْتُ الصُّرَّةَ: شَدَدْتها. ينظر: تاج العروس (١٢/ ٣٠٢)، مادة: (صور). (٥) كذا في النسخة الخطية: (فإذا تطأطأ لها أحدٌ أخجلوه)، وفي الكامل لابن عدي (١/ ٢٩٤): (فإذا تطأطأ لها أحد وأراد أن يأخُذَها، صاحوا به: ضَعْهَا؛ لِيَخْجِلَ الرَّجلَ)، وفي بيان الوهم والإيهام (٥/ ٣٩): (فإذا تطأطأ لها أحد) وبعده قدر سطر ممحو من أصله، كما أفاده محققه، فاستدرك مكانه بين حاصرتين ما ذكره ابن عدي في كامله. (٦) في النسخة الخطية: من أمر أبي محمد بزيادة «أبي» وهو خطأ ظاهر؛ تصويبه من بيان الوهم والإيهام (٥/ ٤٠)، وقد ذكر محمد بن عبد الملك على الصواب.