الجواب الآخر: أنَّ الحديث وارد عن اتباع الجنائز لا في زيارة القبور، والمنهي عنه نهي تحريم إنَّما هو زيارة القبور.
قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ كما في [مَجْمُوعِ الْفَتَاوَى](٢٤/ ٣٤٧ - ٣٤٨): «بل إذا رخص للمرأة في الزيارة كان ذلك مظنة تكرير ذلك فتعظم فيه المفسدة ويتجدد الجزع والأذى للميت فكان ذلك مظنة قصد الرجال لهن والافتتان بهن كما هو الواقع في كثير من الْأمصار فإنَّه يقع بسبب زيارة النساء القبور من الفتنة والفواحش والفساد ما لا يقع شيء منه عند اتباع الجنائز. وهذا كله يبين أنَّ جنس زيارة النساء أعظم من جنس اتباعهن وأنَّ نهي الاتباع إذا كان نهي تنزيه لم يمنع أن يكون نهي الزيارة نهي تحريم وذلك أنَّ نهي المرأة عن الاتباع قد يتعذر لفرط الجزع كما يتعذر تسكينهن لفرط الجزع أيضاً فإذا خفف هذه القوة المقتضي لم يلزم تخفيف ما لا يقوى المقتضى فيه. وإذا عفا الله تعالى للعبد عمَّا لا يمكن تركه إلَّا بمشقة عظيمة لم يلزم أن يعفو له عما يمكنه تركه بدون هذه المشقة الواجبة» اهـ.
قُلْتُ: وذهب آخرون إلى أنَّ زيارة النساء للقبور مباحة غير مكروهة، وهي رواية عن أحمد وقد احتج هؤلاء بأدلة:
الدليل الأول: ما رواه مسلم (٩٧٧) عن بريدة قال، قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ:«كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ فَزُورُوهَا».