ويقال ثانيًا: المتسابقان كل منهما متردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم؛ فإنَّهما لو جاءا معًا لم يأخذ أحدهما سبق الآخر. فقولهم: إنَّ القمار هو المتردد بين أن يغنم أو يغرم فقط ليس بمستقيم؛ بل عندهم وإن تردد بين أن يغنم أو يغرم أو يسلم فهو أيضًا قمار وهذا موجود مع المحلل؛ فإنَّ كلاً منهما يتردد بين أن يغنم إن غلب وبين أن يغرم إن غلب، وبين أن يسلم إن جاءا معًا، أو جاء هو ورفيقه معًا، فالمخاطرة فيها موجودة مع المحلل؛ وبدون المحلل، بل زادت بدخوله فتبين أنَّ المعنى لم يزل بدخول المحلل. بل ازداد مفسدة؛ فإنَّه على بر السلامة ولا عدل فيه؛ بخلاف ما لو كانوا بلا محلل. فكان كل منهما مساويًا للآخر في الاحتمال، وهذا عدل، وهو على الميزان بينهما؛ بل الذي بذلك الجعل ليجعل الرغبة فيما يحبه لا ينظر في مصلحته، بل معرضًا للخسارة، ويجعل الدخيل الذي جاء تابعًا للغرض لا يخسر شيئًا من ماله، والذي يتقرب إلى الله بما يحبه يخسر، والذي لم يقصد لم يعط شيئًا ولا يخسر؛ بل إمَّا سالماً وإمَّا غانمًا، فهل يحسن هذا في شرع رسول الله ﷺ؟! وإن كان القائلون علماء فضلاء أئمة. فإنَّما وقعت الشبهة من حيث ظنوا أنَّ الميسر المحرم الذي هو القمار حرم لما فيه من المخاطرة، ثم منهم من رأى المخاطرة كلها محرمة من المحلل وعدمه، وهذا أقرب إلى الأصل