للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

بركاته، فدر ثديها، وسمنت عجاف شياهها، وكثرت ألبانها، وكان يشب شبابا لا يشبه الغلمان، فلم يبلغ سنتيه حتى كان غلاما جفرا (١)، ثم أتت به أمه وأرتها إياه، وقالت لها: لولا تركتيه عندي حتى يغلظ، فإني أخشى عليه وباء مكة، ولم تزل حتى ردته معها.

قالت حليمة: فوالله إنه بعد مقدمنا به بأشهر مع أخيه لفي بهم لنا خلف بيوتنا إذ أتانا أخوه يشتد فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاه وشقا بطنه، فهما يسوطانه، قالت: فخرجنا نحوه فوجدناه قائما منتقعا وجهه، فالتزمناه وقلنا له: ما لك يا بني، فقال نحو قول أخيه، فرجعنا به إلى خبائنا، فقال زوج حليمة لها: لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أصيب، فألحقيه بأهله.

قالت: فاحتملناه وقدمنا به على أمه، فقالت: ما أقدمك به وقد كنت حريصة عليه؟ ولم تدعني حتى أخبرتها. قالت: أفتخافين الشيطان عليه؟ قالت: فقلت: نعم، فقالت: كلا والله، ما للشيطان عليه من سبيل، إن لابني هذا شأنًا، أفلا أخبرك خبره، إني رأيت (٢) حين حملت به أنه خرج مني نور أضاء لي قصور بصري من أرض الشام، ثم حملت به، فوالله ما رأيت من حمل - قط - كان أخف ولا أيسر منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضع يديه بالأرض، رافعا رأسه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقي راشدة.

فكان مع أمه (٣) آمنة بنت وهب وجده عبد المطلب في كلاءة الله وحفظه،


= خَصَفَة بن قيس عيلان بن مضر السعدية» راجع: ابن سعد: الطبقات الكبرى، جـ ١، ص ١١٠، الطبري: التاريخ، جـ ٢، ص ١٥٧، الطبراني: المعجم الكبير، جـ ٢٤، ص ٢١٢ - ٢١٥، ابن عبد البر: الاستيعاب، جـ ٤، ص ١٨١٢، ١٨١٣، ترجمة: ٣٣٠٠، ابن عساكر: تاريخ دمشق (السيرة)، جـ ١، ص ٧٢، ابن الأثير: أسد الغابة، جـ ٧، ص ٦٧ - ٦٩، ترجمة: ٦٨٤٨.
(١) الجفر: الغليظ الشديد.
(٢) في الأصل: «رأيته».
(٣) في الأصل: «أم».

<<  <  ج: ص:  >  >>