فلما بلغ ست سنين توفيت أمه وهي بالأبواء (١) - بين مكة والمدينة - وكانت قد قدمت به على أخواله (٢) من بني عدي بن النجار تزيره إياهم.
وبقي عند جده، وكان يوضع لجده عبد المطلب فراش في ظل الكعبة ويجلس بنوه حول فراشه حتى يخرج إليه ولا يجلس أحد منهم معه، وكان يأتي رسول الله ﷺ وهو غلام جفر حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول: دعوا بني، فوالله إن له لشأنا، ثم يجلسه معه عليه ويمسح ظهره بيده، ويسره ما يراه يصنع.
فلما بلغ ثماني سنين هلك عبد المطلب، ويروى أن عبد المطلب جمع بناته قبل موته وأمرهن أن يبكينه، فقالت كل واحدة شعرا فيه، ورثى بأشعار من أحسنها قول حذيفة بن غانم (٣) من بني عدي بن كعب:
أعيني جودا بالدموع على الصدر … ولا تسأما أسقيتما سبل القطر
على الماجد البهلول (٤) ذي الباع والندى (٥) … ربيع لؤي في القحوط وفي العسر
على شيبة الحمد الذي كان وجهه … يضيء سواد الليل كالقمر البدر
(١) الأبواء: قرية من أعمال الفُرْع من المدينة المنورة، بينها وبين الجُحفة مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ميلًا، راجع: ياقوت: معجم البلدان، جـ ١، ص ٧٩. (٢) في الأصل: «أخوال جده عبد المطلب». (٣) حُذَيْفَةُ بن غانم: هو والد أبي جهم بن حذيفة، واسم أبي جهم عبيد، وهو الذي أهدى الخميصة إلى الرسول ﷺ وقيل إن الشعر لحذافة بن غانم، وهو أخو حذيفة والد خارجة بن حذافة، راجع: السهيلي: الروض الأنف، جـ ١، ص ١٩٩. (٤) البهلول: السيد، الخشني: شرح السيرة، ص ٥٩. (٥) في الأصل: «واللهى».