للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

أغصانها عليه، فنظر فيهم فلم ير الصفة (التي يعرف ويجد عنه (١) فقال: معشر قريش، لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي. قالوا: يا بحيري، ما تخلف عنك أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا. فقال: (لا (٢)) تفعلوا، ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم، فقام رجل منهم واحتضنه وأجلسه مع القوم. فلما رآه بحيري جعل يلحظه وينظر إلى أشياء من جسده كان يجدها عنده من صفته، حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيري وقال: يا غلام، أسألك باللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه - وإنما أقسم بهما عليه لأنه سمع قريشا يقسمون بهما (٣) - فقال له رسول الله : «لا تسألني باللات العزى شيئًا، فوالله ما أبغضت شيئًا - قط - بغضهما». قال له بحيري: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك. قال: «سلني عما بدا لك». فجعل يسأله عن أشياء من حاله، من نومه وهيئته وأموره، ورسول الله يخبره، فيوافق ما عند بحيري من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم (٤) النبوة بين كتفيه على موضعه، وكان مثل أثر المحجم (٥).

فلما فرغ قال لأبي طالب: ما هذا الغلام منك. قال: ابني. فقال له بحيري: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًا. قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به. قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرًا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم (٦).


(١) مزيد لاستقامة النص، وراجع: ابن هشام: السيرة، جـ ١، ص ١٨٢.
(٢) الإضافة لاستقامة النص.
(٣) في الأصل: «بها».
(٤) خاتم: قيل سمي بذلك لأنه من العلامات التي يعرفه بها علماء الكتب السابقة، راجع: ابن هشام: السيرة، جـ ١، ص ١٨٢، هامش (٤).
(٥) المِحْجَمُ: مشرط الحجام، ابن منظور: لسان العرب، جـ ٢، ص ٧٩٠.
(٦) انتهز بعض أعداء الإسلام من المستشرقين وأمثالهم هذه الحادثة، فجعلوها سبيلًا إلى الطعن في الإسلام، وفي رسول الله فادعوا - كذبًا - أن الرسول أخذ عن بحيري بعض علوم الأولين، وأصول دياناتهم، واقتبس منها دينه الجديد، وهذا هراء لا يصدقه عقل.

<<  <  ج: ص:  >  >>