ومن له المماليك غير بقية من لعله يكون له من الجند والأتباع ما يعرف به عظم شأن هذه المملكة، ووفور دخلها، ووفود السعود إلى محلها، وتستر أبناء الزمان من عين دهرهم بظلها، ولو قد اجتمعت هذه البلاد السلطان واحد وكفت بها أكف المفاسد لما وسع ملوك الأرض إلا انتجاع سحابه وارتجاع كل زمان ذاهب في غير جنابه.
وهذا الذي دخله الملك الظاهر بيبرس من بلاد الروم هو بعض ما لبيت جنكزخان وهو من جلالة المقدار، وكثرة المال على ما قد أشرنا إليه فكيف جميع ما هو من الخليج القسطنطيني إلى بحر نيطش. الله أكبر إن ذلك ملك عقيم، وسلك نظيم، وسلطنة كبرى، ودنيا أخرى ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (١).
أما ما نحن بصدد ذكره من ممالك الأتراك في الروم:
فقد حدثني الشيخ حيدر العريان السبر حصري الرومي وهو من أهل مدينة سبر حصر من بلاد الروم مما هو في أيدي ملوك بيت جنكزخان قال: إن لهؤلاء أمراء الأتراك نقودًا لا يخرج نقد واحد منهم في بلاد الآخر ودرهمهم في الغالب تقدير نصف وربع درهم من نقدنا، والرطل مختلف عندهم وأكثرها بالتقريب زنة اثني عشر رطلًا بالمصري، وأقلها رتبة ثمانية أرطال، قال: وأما الغلات فتباع بكيل لهم يعرف بالموط وهو يجيء تقدير أردب ونصف بالمصري، قال: وهذه البلاد بل الروم جميعه فيه من أنواع الفواكه كلها إلا الحوامض كالليمون والنارنج وما لا يوجد في الصرود كالرطب والموز، وقد يوجد ما قل من الحوامض في بعضها مما هو على ساحل البحر. وأما الدواب السوائم فأكثر من أن يقع عليها إحصاء أو حساب من الخيل والغنم والبقر وأعظمها عددًا وأنماها ولدًا الغنم؛ فإنها تبسط فرش الأرض منها المعز المرعز ذوات الأوبار المضاهية لأنعم الحرير وغالب قنية أهل الشام وديار بكر والعراق وبلاد العجم وذبائحهم مما يفضل عنها ويجلب إليها منها، وهي أطيب أغنام البلاد لحما وأشهى شحمًا، وبها العسل المضاهي للثلج بياضًا والسكر في اللذاذة طعمًا لا حدة فيه ولا إفراط حلاوة توقف الأكل والأسعار كلها بالروم رخيصة لأسباب منها قلة المكوس، وكثرة المراعي المباحة واتساع سبب التجارة، واكتناف البحر.