للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما سبب بنائها القديم فقد ذكره التيفاشي في كتاب «سرور النفس بمدارك الحواس الخمس» قال: ذكر أحمد بن مطرف في كتاب «الترتيب» (١): أن الذي بنى الإسكندرية أول أمرها جبير المؤتفكي (٢)، وأن الذي هداه إلى بنائها أنه غزا بعض النساء اللواتي ملكن مصر وكان اسمها حوريا بنت ألبرت، وأنه لما طال بينهما الحرب أنفذت إليه تقول: إني قد رغبت في أن تتزوجني فيصير ملكنا واحدًا ودارنا واحدة، وأصير أنا ومملكتي لك وذلك خير لك من أن تقيم علي الحرب فتفقد مالك ويفنى رجالك، فإن ظفرت بي لم يحصل لك طائل؛ لأن الهزائم تذهب الأموال وتمحقها، وإن أنت خذلت ذهبت وذهب جميع مالك. فأعجبه مقالها وأجابها وعقد النكاح على ما كانوا يعتقدونه؛ والتمس الدخول بها فقالت: إنه يقبح بي وبك أن نجتمع في غير مدينة نبنيها لهذا الأمر في أحسن موضع وأجل مكان بحيث لم يكن فيه بناء قط غير ما نبنيه. وإنما كان ذلك منها مكرًا به لتنفد أمواله وتبلغ منه ما تريد في لطف وموادعة. فأجابها وأنفذ المهندسين إليها، وخيرها المواضع، فاختارت موضع الإسكندرية، وقسمت المدينة وصورها المهندسون، ثم عرفته ذلك فأجاب إلى كل ما طلبت. وسار بجيشه فنزل على ذلك الموضع وشرع في البناء، فكان كلما بنى بناء خرجت دواب البحر وعبثت به وهدمته، فأقام زمانًا ونفدت الأموال وضاق ذرعًا، فوفق له أن دل على بعض السحرة، فأحضره وشكا إليه ذلك الأمر، فوضع له طلسمات وجعلها في آنية زجاج كالتوابيت فكانت في الماء حذاء الأبنية، فإذا جاءت دواب البحر قرأت الطلسمات والتوابيت نفرت فثبت البناء، وبنيت المدينة وتمت بعد زمان طويل. ثم راسلها في المسير فسارت بجميع ملكها وعساكرها حتى نزلت حذاء عسكره وراسلته أني قد أحببت أن أحمل عنك مؤنة الإنفاق على العسكرين في أطعمة تصلح وأشربة، وقد أعددت لوجوه الأمراء والقواد خلعًا وتحفًا حملًا عنك لما لزمك في بناء المدينة، فأحب أن تجيبني إلى ذلك، فأجابها وأمرت بذلك، فعمل، وأنفذت إليه أني أحب أن أراك وأرى سائر عسكرك


(١) أورد صاحب الوافي بالوفيات ٨/ ١٨١ - ١٨٢ تراجم لثلاثة أشخاص اسمهم أحمد بن مطرف، دون أن يذكر فيها كتاب الترتيب.
انظر أيضًا: معجم الادباء ٥/ ٦٣ - ٦٤، هدية العارفين ١/ ٧٢.
(٢) ورد اسمه في الخطط ١/ ١٤٥ «جيرون وهو قائد ايداخس ملك الكنعانيين» وفي كتاب المسالك والممالك للبكري «إن أول من بنى الإسكندرية جبرون بأمر حوريا … ».

<<  <  ج: ص:  >  >>