للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

في الميدان يلعبون ضروب اللعب، ويكون منصرفكم بعد ذلك إلي لحضور الطعام والخلع فأجابها. وتقدم بركوب الجيش وحمل السلاح واللعب، فلما فعل واشتد عرق القوم انصرفوا إليها جميعًا فتلقاهم أصحابها بالخلع المسمومة فلبسها وجوه العسكر، ولبس الملك جبير خلعته - وكانت أقل سمًا من غيرها - إبقاء عليه لتبقى فيه بقية لخطابها، فما أقاموا إلا ساعة بالخلع حتى طفئوا وماتوا، ورأى ذلك بقية العسكر، فعلموا موضع الحيلة، فتبادروا مستأمنين فنودي فيهم بالأمان وبقي في الملك بقية من الحياة، فأمرت أن يحمل إليها، فلما رأته في السياق قالت له: إن ملكًا أنفق ماله وأفنى زمانه وترك ملكه رجاء شهوة، … لا يدري أينالها أم لا لملك سخيف. وكان آخر كلامها بخروج روحه فمات ودخلت هي المدينة وأقامت بها زمانًا وعادت إلى مصر.

ثم ملك الإسكندر فزاد في بنائها وأطال في منارتها وجعل فيها مرآة كان يرى منها مراكب العدو عن بعد، فإذا صارت بإزائها وصدمها شعاعها أحرقتها كما تحرق المهاة في الشمس ما قابلها من الحرق وإن لم تتصل بها، فسميت الإسكندرية من حيئنذ. وكان اسمها قبل ذلك رقودة، وبذلك يعرفها القبط في كتبهم القديمة.

وأقامت المرآة على ذلك زمانًا، وشق ذلك على الروم فاحتال حكيم من حكمائهم بأن وافق متملكهم على أن يبعث أموالًا مع أصحاب له فيدفنوها في مواضع متفرقة من ثغور الإسلام ثم عادوا بعد دفنها فوضع كتاب مطالب ذكر فيه المواضع وختمه بأن تحت المرآة التي في منارة الإسكندرية كنزًا لا يحصى ما فيه من الأموال، وعتق ذلك الكتاب ودفعه إلى إنسان ذكي، وأمر أن يسير به إلى بلد بلد وأن يكون قصده إلى سلطان كل بلد فيعرفه ما في ذلك البلد ويخرجه ويأخذ منه جزءًا يسيرًا، ففعل ذلك بأول [من] لقيه وصح قوله فأخرج المال وأخذ منه جزء يسيرًا.

واتصلت الأخبار إلى سائر الثغور بذلك، فكان سلطان كل بلد ينفذ إليه من يتسلمه بعد أن يحضر إخراجه الكنز في البلد الذي هو فيه، فلم يزل إلى أن وصل إلى الإسكندرية فقال لملكها ما قال في المرآة، وقال له: إذا قلعتها وأخذت الكنز أنا أردها إلى أفضل ما هي عليه الآن فأجابه وقلعت المرآة وشرع في هدم ما تحتها والنسل الإنسان وترك ونزلت تلك الأموال التي أخذها من الكنوز المتقدمة ليطمئنوا ولا يجدوا في طلبه وفاتهم، وحفروا فلم يجدوا شيئًا، فعلموا أن ذلك كله كان حيلة على قلع

<<  <  ج: ص:  >  >>